زيارة ظريف كشفت عن إذلال إيران لقطر


في خضم حراك دولي متواصل تقوده أمريكا، ضمن ما يعرف بـ"تحالف الحارس"، لوضع حد لسلوكيات إيران المزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة ووقف تهديداتها للملاحة الدولية في مضيق هرمز، خرج وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف إلى العالم من قلب الدوحة، بتهديدات جديدة، في أعقاب لقائه أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني.

وبقراءة زيارة ظريف إلى الدوحة -وهي الثانية خلال شهرين- في سياق توقيتها، والظروف التي صاحبتها والكواليس التي سبقتها، والنتائج التي تمخضت عنها، تبرز لقطات خطيرة في معناها ودلالاتها.

من أبرز تلك الدلالات أنها فضحت الانبطاح المخزي لتنظيم "الحمدين" أمام نظام ولاية الفقيه، ودعم سياسات طهران التخريبية، في تحد واضح لأمريكا والعالم ودول المنطقة.

كذلك تبرز الارتباك والتناقضات البارزة التي أضحت سمة رئيسية للسياسة الخارجية لتنظيم الحمدين، فقطر دفعت نحو 185 مليار دولار لأمريكا تحت غطاء الاستثمارات.

ثم دفعت 8 مليار دولار لتوسيع قاعدة العديد الأمريكية في الدوحة، التي وصلتها مؤخرا قاذفات "بي – 52" في إطار تحركات أمريكية لردع إيران، في الوقت الذي تدعم فيه طهران وسياساتها في مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

وتعكس تصريحات طهران أيضا بشكل واضح، الفزع والقلق الإيراني من التحالف الدولي الجاري تشكيله.



كواليس الزيارة
وأجرى ظريف زيارة إلى الدوحة يومي الأحد والإثنين الماضيين، هي الثانية له خلال شهرين، والتقى في كلا الزيارتين أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني.

وجاءت زيارة ظريف إلى الدوحة بعد ساعات من مباحثات هاتفية بين أمير قطر والرئيس الإيراني حسن روحاني، الأحد الماضي.

ووجه روحاني خلال الاتصال انتقادات للتحالف التي تسعى أمريكا لتشكيله لحماية الملاحة في منطقة الخليج من القرصنة الإيرانية، وقال إن "الأمريكيين اختاروا نهجا خاطئا، وعليهم أن يعيدوا النظر في تصرفاتهم"، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا".

وحذر رئيس إيران من أن "هذه الإجراءات تجعل من مشكلات المنطقة أكثر تعقيدا وخطورة".

من جانبه، سارع أمير قطر خلال الاتصال بتقديم فروض الولاء لنظام الملالي، زاعما أن "إيران تضطلع بدور مهم في المنطقة"، وأكد أن بلاده "ترغب في التعاون مع إيران بهدف تعزيز العلاقات الثنائية والأمن الإقليمي"، ورحب مجددا "بتنمية العلاقات مع إيران".

وبعد ساعات من المباحثات الهاتفية، كان ظريف يستقل طائرته متوجها للدوحة، والتقى عقب وصوله نظيره القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، موجها بدوره -خلال اللقاء- انتقادات لتحالف "الحارس" التي تسعى أمريكا لتشكيله، زاعما "أن التحالفات العسكرية فشلت مسبقا، وأن القوات الأجنبية تتسبب في إضعاف الأمن بالمنطقة".

وفي رسالة واضحة تؤكد رغبة إيران في احتكار المسؤولية عن أمن الخليج العربي وممارسة قرصنتها وتهديدها للملاحة كما يحلو لها، هدد ظريف "القوات الأجنبية والتحالفات العسكرية"، زاعما "أنها مهزومة مسبقا وتمهد لزعزعة أمن المنطقة"، مشيرا إلى "مسؤولية إيران في الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة".

تصريحات إيران وجدت تأييدا مطلقا من وزير الخارجية القطري الذي عبر عن "ارتياحه -لما وصفها- بالعلاقات الخاصة بين إيران وقطر".

التصريحات نفسها وجدت تأييدا من أمير قطر، الذي أكد خلال لقائه ظريف، على "العلاقات الوثيقة والشقيقة بين إيران وقطر والمشاورات بين البلدين حول القضايا الإقليمية والدولية".

وسلم ظريف، أمير قطر، رسالة خطية من الرئيس الإيراني تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها وعدد من القضايا الإقليمية والدولية.

وفي ابتزاز واضح لقطر، قال وزير الخارجية الإيراني خلال اللقاء إن ما وصفه بـ"الإرهاب الاقتصادي ضد الشعب الإيراني غير مجد، وأنه زاد من انعدام الأمن الإقليمي"، في إشارة واضحة لطلب مزيد من الدعم القطري لمواجهة العقوبات الأمريكية.

وحتى تكتمل المؤامرة، كان لا بد لظريف أن يجري مقابلة مع قناة "الجزيرة"، كشفت عن تفاصيلها وكالة "إرنا" الإيرانية الرسمية، وأكد خلالها على المزاعم نفسها، متهما الولايات المتحدة الأمريكية بتحويل منطقة الخليج إلى منطقة مشتعلة.

وقال وزير خارجية نظام ولاية الفقيه إن "الخليج ضيق وكلما زاد وجود السفن الأجنبية فيه أصبح أقل أمنا".

ومنذ أسابيع، قالت القيادة المركزية الأمريكية إنها تعمل على تطوير عملية بحرية متعددة الجنسيات، لزيادة المراقبة والأمن في الممرات المائية الرئيسية في الشرق الأوسط وضمان حرية الملاحة.

وأكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الهدف من العملية التي تحمل اسم "الحارس" تعزيز الاستقرار البحري وضمان المرور الآمن وخفض التوترات في المياه الدولية في جميع أنحاء الخليج العربي ومضيق هرمز ومضيق باب المندب وخليج عمان.

وتعرضت الملاحة الدولية الفترة الماضية إلى تصعيد غير مسبوق من الجانب الإيراني؛ حيث تم استهداف عدة سفن تجارية بخلاف إسقاط طائرة مسيرة أمريكية.

ودأبت إيران وأذرعها المنتشرة بالمنطقة على استهداف السفن التجارية، لا سيما ناقلات النفط في مضيق هرمز، الأمر الذي تكرر في أكثر من حادثة خلال الأشهر الماضية.

مصادر مطلعة أكدت أن زيارة وزير الخارجية الإيراني لقطر -وهي الثانية خلال شهرين- كانت مجدولة كزيارة سرية بطلب قطري كي لا ينكشف إذعان الدوحة للمطلب الإيراني باعتبار أمن الخليج مسئولية إيرانية والالتزام بعدم دعم المشروع الأمريكي لحماية الملاحة في الخليج عبر تحالف "عملية الحارس".

وبينت المصادر أن إيران كشفت عن الزيارة إمعانا في إذلال تنظيم "الحمدين" من جانب، وفي إطار توظيفها دعائيا لتكشف للعالم أن لها حلفاء آخرين مؤيدين لسياساتها التخريبية في المنطقة من جانب آخر، وهو ما ظهر بشكل جلي خلال التصريحات التي أدلى بها ظريف، وتهديداته للعالم من قلب الدوحة، دون مراعاة لأي قواعد أو أعراف دبلوماسية أو احترام لسيادة الدولة التي يزورها.

وبينت المصادر كذلك أنه من أبرز دلائل هذا الإذعان، إصرار روحاني وظريف على إطلاق المصطلح المزعوم "الخليج الفارسي" سواء خلال المباحثات الهاتفية أو اللقاءات الرسمية أو لقائه مع "الجزيرة" في مقابل صمت قطر، التي هي دولة هي عضو في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إضافة إلى إطلاقه التهديدات في كل اتجاه للتحالف الدولي التي تقود أمريكا ولقطر نفسها إذا فكرت في المشاركة به.

يذكر أن إيران تسعى دوما لتزييف الواقع والتاريخ عبر إطلاق مصطلح مزعوم، وهو "الخليج الفارسي" على الخليج العربي، إلى جانب استمرار محاولتها بسط النفوذ والسيطرة في المنطقة والتدخل في شؤون دول الجوار.

أيضا ظهر هذا الإذعان، في ابتزاز إيران لقطر لزيادة الدعم الاقتصادي لها، خلال اللقاء الذي جمع ظريف وتميم، وخصوصا أن زيارة تميم جاءت بالتزامن مع مرور عام، على إعادة الولايات المتحدة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، بعد 3 أشهر من إعلان انسحابها من الاتفاق النووي المبرم في 2015، بسبب رعاية إيران للإرهاب في الشرق الأوسط.



 زيارات مكثفة
الدعم القطري الواضح لإيران، ظهر في تبادل الزيارات وتكثيف المباحثات خلال وقت قصير، فزيارة ظريف إلى قطر تعد الثانية خلال شهرين، بعد الزيارة التي أجراها مايو/أيار الماضي، وأجرى خلال مباحثات مع أمير قطر.

وتأتي الزيارة بعد ساعات من مباحثات هاتفية بين تميم وروحاني، وبعد أسبوع من الاجتماع المشترك الـ15 لخفر السواحل في إيران وقطر، والذي تم خلاله توقيع مذكرة تفاهم حدودية بينهما، فتحت قطر بموجبها حدودها البحرية لحرس الحدود الإيراني ليتحرك بشكل متحرر من أي قيود، في وقت تقوم فيه طهران باستهداف السفن التجارية، وتحديداً ناقلات النفط؛ وهو ما يعني دعم الدوحة لسلوك البلطجة وتهديد الملاحة الدولية في الخليج العربي.

قطر وإيران.. تعاون ملاحي بين "موانئ الشر" في المنطقة 
ومنذ قرار الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب، بقطع العلاقات مع قطر، سارع تنظيم الحمدين إلى عقد اتفاقيات مع نظام ولاية الفقيه، ضارباً بالأمن الإقليمي والخليجي عرض الحائط.

وعقد قادة حرس حدود الجانبين، اجتماعهم الـ15، والذي تدعي قطر بموجبه تقديم خدمات للتجار؛ إذ أسست الدوحة مرفأ خاصا للسفن الإيرانية لتقديم الخدمات التجارية، لكن في الحقيقة تحمل مثل تلك الاتفاقيات تسهيلات لطهران لتنفيذ مخططها في الخليج العربي.

وشهد الاجتماع الأخير، توقيع اتفاقيات حدودية بين إيران وقطر، حيث تم تثبيت نشاط الدوريات البحرية المتزامنة من قبل الجانبين، مع الاتفاق على التنسيق المشترك بين قادة حرس حدود البلدين كل 6 أشهر أو بصورة طارئة إذا دعت الضرورة.

وفي شرعنة جديدة من قطر للدور الإيراني المهدد لأمن الملاحة البحرية الدولية، اتفقت الدوحة وطهران على إقامة مناورات ما تُسمى بـ"النجدة والإنقاذ البحري" في المنطقة.

ورغم أن العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران بدأت تؤتي ثمارها وذاق اقتصاد ولاية الفقيه مرارة الخسائر، منحت الدوحة لطهران "طوق نجاة تجاري" بالسماح لها بتمكين التجار الإيرانيين من التحرك بحرية كاملة في تلك المنطقة، وزيادة كميات المنتجات الاستهلاكية المستوردة إلى الحمدين.

ويبدو أن كل تلك الخدمات والتسهيلات لم تكف نظام طهران، فجاءت زيار ظريف وتهديداته للدوحة لطلب المزيد، وتوجيه تهديد واضح لقطر بعدم المشاركة في التحالف المرتقب أو دعمه.

وتظهر كثرة التهديدات الإيرانية بشأن التحالف المرتقب، حجم الفزع الإيراني منه حال اكتمال تشكيله، ويبدو أن هذا الفزع تزايد، مع إعلان دول جديدة انضمامها له كان آخرهم بريطانيا.

كذلك يبدو أن هناك صدمة قطرية واضحة، من الرسالة التي نقلها ظريف لتميم، وتهديده من الانضمام لتحالف "الحارس".

وكانت قطر تراهن دائما على التمسك بسياسة التناقض في المواقف، لكيلا تغضب طرفا على حساب الآخر، حتى لو كانت تلك الأطراف تقف على طرفي نقيض، فارتمت في أحضان نظام طهران ودعمته، ودفعت مليارات الدولارات لأمريكا لإرضائها.

لكن الدوحة أصيبت بصدمة كبيرة نتيجة للتحذير والتهديد الذي نقله وزير الخارجية الإيراني إلى تميم بشأن احتمال مشاركة قطر في المبادرة الأمريكية لتأمين السفن بالخليج، وخصوصا أن قطر اعتادت على ممارسة سياسة ضبابية.

ويبدو أن قطر ستكون مضطرة قريبا مرغمة لاختيار جبهة للاصطفاف فيها، إما تحالف عملية "الحارس" بقيادة أمريكا أو الانضمام لنظام ولاية الفقيه، وهو ما يعد تهديدا واضحا لتنظيم الحمدين.

لذلك تظهر السلوكيات القطرية بشكل واضح حالة الارتباك التي يعاني منها النظام القطري، والتي تدل على أنه فقد البوصلة نتيجة ارتمائه في أحضان إيران وأصبح رهينة للتنظيمات الإرهابية التي احتضنها ودعمها وأصبح يعيش قلقا متزايدا من موقف أمريكي صادم له خلال زيارة تميم لواشنطن قبل نحو شهر.