تعرف على السلاح الذي تخشاه طهران


مع مرور شهور على بدء العقوبات التي فرضتها الولايات الأمريكية وحذت حذوها دول عديدة حول العالم، بدأ سلاح العقوبات يؤتي ثماره على إيران، حيث أظهرت التقارير أن صادرات إيران النفطية تراجعت بصورة كبيرة لدرجة جلعت النظام يحاول وضع ميزانية تقشفية لا تعتمد على النفط.

والأكثر أهمية للعديد من المراقبين، هو عجز إيران عن تمويل أذرعها الإرهابية التي تعبث في العديد من مناطق العالم، وخاصة في الشرق الأوسط، حيث تحدثت تقارير عن تخفيض كبير في تمويل ميليشيا حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، وغيرها من أذرع الإرهاب في الوطن العربي.

إشادة أمريكية
وتعليقاً على تأثير العقوبات، قال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو: إن "العقوبات التي فرضتها واشنطن كان لها تأثير قوي على إيران"، معرباً عن أمله في أن تجعل العقوبات قادة إيران يدركون أنه يتعين عليهم تغيير سياساتهم الإقليمية.
واعتبر أن تأثيرات العقوبات على الاقتصاد الإيراني أثبتت عدم صحة توقعات المنتقدين، الذين كانوا قد توقعوا أن العقوبات لن تنجح دون مشاركة أوروبية.
وبدوره، قال مبعوث الولايات المتحدة الخاص بإيران بريان هوك،: إن "سياسة بلاده، التي تقضي بممارسة أقصى ضغوط اقتصادية على طهران، تؤتي ثمارها"، وأضاف "نحن ملتزمون بتلك السياسة التي تضع أقصى ضغوط اقتصادية، لأنها ناجحة، إنها تحرم النظام من مستويات عائدات تاريخية".

تخفيض تمويلات الأذرع الإرهابية

من جهته، اعترف أمين عام ميليشيا "حزب الله" الإرهابية حسن نصرالله، مساء الجمعة الماضي، بثقل العقوبات الاقتصادية على الحزب التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر(تشرين الثاني) من العام الماضي بعد إعلان الانسحاب من الاتفاق النووي مع طهران.

ودفعه ذلك إلى الاستنجاد بـ"هيئة دعم المقاومة" لمواجهة العقوبات بدعوته إلى تفعيل نشاطهم المادي لجمع التبرعات، بعدما جفّ مصدره الأساسي من إيران نتيجة العقوبات.

ومنذ الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض العقوبات، بدأ الحزب باتّخاذ الاحتياطات بشكل تدريجي مركزاً بشكل أساسي على إعادة هيكلة للإدارة المالية من خلال القيام بمبادرات جديدة للإدارة المالية وتأمين مصادر تمويل مختلفة، إضافة إلى تنظيم الموازنات.

واتخذ الحزب خطوات تقشفية طالت أولى إجراءاتها الأعضاء في "سرايا المقاومة"، حيث تم تخفيض رواتبهم بنسبة 30%، وتم اقتطاع حوالي 50% من رواتب مقاتليه الاحتياطيين والذي كان يبلغ كمعدل وسطي 800 دولار أمريكي.

وكما طالت الإجراءات مؤسسات إعلامية تابعة للحزب مباشرة أو يدعمها، مثل قناة "القدس" الفضائية، المقرّبة من حركة "حماس" التي أُقفلت مطلع فبراير(شباط) الماضي بسبب أزمة مالية.

وأما في ما يخص المؤسسات الإعلامية التابعة مباشرة لـ"حزب الله"، كتلفزيون "المنار" وإذاعة النور، فإن الأزمة المالية وصلت خلال الأشهر الماضية إلى اقتطاع أكثر من نصف رواتب الذين يعملون فيها، حتى في مؤسسات اجتماعية وتربوية وصحية، ما أثار بلبلة وتململاً واستقالة بعض العاملين فيها.

ميزانية تقشفية
وفي وقت تتجه فيه إيران إلى التقشف لمواجهة الأوضاع الاقتصادية المتردية، استقال وزير الصحة الإيراني قاضي هاشمي، اعتراضاً على خفض ميزانية الوزارة.
وسبق أن أعلنت طهران عن ميزانية العام المالي بقيمة إجمالية 47.5 مليار دولار، والتي تقل عن 50% من موازنة العام الماضي التي بلغت 104 مليار دولار.
وتأتي الموازنة الإيرانية للعام الجديد وسط مصاعب يعاني منها اقتصاد الدولة بسبب العقوبات الأمريكية، حيث خسر الريال أكثر من 60% من قيمته أمام الدولار، بسبب العقوبات التي طالت العديد من القطاعات أبرزها البنوك، والتحويلات الدولارية، وقطاع النفط.

انخفاض الصادرات
وهبطت صادرات ألمانيا إلى إيران بمقدار النصف تقريباً في الـ 6 أشهر الأولى من عام 2019، وذلك وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني.

وأظهرت البيانات انخفاض صادرات ألمانيا إلى إيران بمقدار النصف تقريباً في الأشهر الستة الأولى من 2019، مما يشير إلى أن الشركات تقلص روابط الأعمال مع طهران لتفادي مشكلات مع واشنطن بعد أن أعادت الأخيرة فرض عقوبات عليها.

وكما هبطت المبيعات الألمانية إلى إيران بمعدل 48% إلى 678 مليون يورو (758.8مليون دولار) من يناير(كانون الثاني) حتى يونيو(حزيران) على أساس سنوي، كذلك تراجعت الواردات من إيران 43% إلى نحو 110 ملايين يورو.
وقال اتحاد التجارة الألماني: "حقيقة أن التجارة بين إيران وألمانيا انهارت بتلك الضخامة ليست مفاجأة كبيرة، للأسف"، مضيفاً: "الشركات الألمانية مجبرة على الاختيار بين أنشطتها السوقية في إيران والولايات المتحدة، ومن الواضح أي سوق ستختار".

أزمة الطيران
وامتنعت منظمة الطيران المدني الدولية "إيكاو" في الأول من يونيو(حزيران) الماضي، عن تزويد الطائرات الإيرانية بالوقود بسبب العقوبات الأمريكية.
وتخضع شركات الطيران الإيرانية لعقوبات أمريكية مصاحبة لتلك التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على صادرات النفط الإيرانية، حيث حذرت وزارة الخزانة الأمريكية جميع دول العالم وشركات الطيران الدولية من خطورة منح تصاريح أو تقديم خدمات للخطوط الجوية.
وتسببت العقوبات الأمريكية بخسائر لشركات الطيران الإيرانية وتراجع في عدد المسافرين على متنها.

خفض الاعتماد على النفط

لا يزال الاقتصاد الإيراني ينزف منذ فرض العقوبات الأمريكية على قطاع النفط العام الماضي، إذ انخفضت صادرات إيران النفطية إلى نحو مليون برميل يومياً، بعد أن كانت أكثر من 2.5 مليون برميل يومياً قبل إعادة فرض العقوبات.

وتسعى إيران إلى إجراء إصلاحات جديدة في هيكل ميزانية البلاد، من أجل خفض الاعتماد المباشر على عائدات النفط إلى الصفر، ووفقاً لما ذكره وزير الخارجية محمد جواد ظريف هذا الأسبوع، فإن هذا الاعتماد يقل حالياً عن 30%، مقابل 50% في السابق.
ومن المتوقع أن يصل التضخم هذا العام إلى نحو 50%، وهو الأعلى منذ العام 1979، كما يترافق ركود الاقتصاد الإيراني مع حجم الفساد الهائل داخل أروقة النظام.
ومن جهته، قال الباحث في الشأن الإيراني، أحمد محمد فاروق لموقع "الحرة" الإخباري: إن "قرار الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات على طهران يستهدف بالدرجة الأولى القطاعات التي تدر دخلاً سواء للحكومة أو للحرس الثوري، ويبدو أنها مقدمة لحظر صادرات البتروكيماويات الإيرانية التي تمثل مصدراً ضخماً للعوائد الإيرانية".
ولفت إلى أن الهدف الأمريكي المعلن وهو تصفير مبيعات النفط الإيراني ممكن في الظروف الحالية، رغم كل الضغط الذي يمكن أن يتسبب به على طهران، وكما ستكون له تأثيرات واضحة على سياسة إيران النفطية وبنية الاقتصاد الذي يتجه عاماً بعد عام لتخفيف الاعتماد على النفط مقابل صادرات أخرى.

معاناة الشعب
أشار تقرير لصحيفة "الفايننشال تايمز"، إلى أن معاناة الإيرانيين تزايدت مع وصول نسبة التضخم إلى نحو 40% وانخفاض قيمة الريال الإيراني بنحو 60% هذا العام.

وذكر أن جزء كبير من الطبقة المتوسطة في إيران مهدد بالانزلاق إلى حالة الفقر، حيث أصبح الكثيرون يفكرون بمغادرة البلد، نظراً لإنهاك العقوبات الأمريكية البلاد إلى حد أصبح من الصعب معه تدبر متطلبات الحياة اليومية.
وأوضح أن العقوبات السابقة على قطاع المال والنفط تسببت في أزمة اقتصادية داخل إيران، حيث فقد الريال الإيراني نحو 60% من قيمته خلال عام، بالإضافة إلى نقص بعض السلع الأساسية مثل اللحوم والأدوية، وحتى البنزين في بعض المناطق.


ومع استمرار العقوبات، يرى العديد من المراقبين أن رهان إيران على كسب الوقت والتعنت في قبول شروط المجتمع الدولي ليس في صالحها، بسبب الكوارث المقبلة التي بدأت عواقبها الوخيمة تظهر على الاقتصاد الإيراني جراء سلاح العقوبات الذي أثبت فعاليته، وهو ما قد يهدد بانهيار النظام الإيراني نفسه.