Advertisements

تعرف على الدور القطري ذي الوجهين في الصومال


لم تخف الدوحة يوما كراهيتها للدول العربية وقادتها، إلا أن المقاطعة التي نفذتها الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب كشفت كثيرا من التآمر القطري في المناطق التي تعج بالحروب والانقسامات.

ففي يوم واحد فقط، انكشف على الملأ الدور القطري ذي الوجهين في الصومال الغارقة في الحروب والفوضى، وجه رسمي يؤكد دعم البلاد، وآخر أيضا رسمي لكنه يتآمر عليه عبر التورط في تفجيرات إرهابية وبث العنف والفوضى.

الموقع الرسمي لسفارة قطر في العاصمة الصومالية مقديشو، نشر بيان في الثامن عشر من شهر مايو 2019، أبرز فيه دعم الدوحة للحكومة الصومالية الرسمية، خلال استقبال رئيس الوزراء الصومالي حسن خيري سفير قطر حسن بن حمزة هاشم.

البيان الرسمي للسفارة القطري أشار إلى أن الطرفين "بحثا العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها، إضافة إلى عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك".

حتى هذه اللحظة لم تكن هناك أي مشكلة، لكن ما ظهر بعد ذلك كشف سياسة تنظيم الحمدين ذات الوجهين، ففي نفس اليوم "18 مايو" الذي عقد فيه الدبلوماسي القطري لقاء مع المسؤول الصومالي، بعدها كان سفير نظام تميم يتحدث مع في مكالمة هاتفية مع رجل الأعمال القطري، قايد المهندي، تضمنت حديثا لا يقبل أي تأويل بشأن دور الدوحة في تنفيذ تفجيرات إرهابية من أجل إجبار رعايا إماراتيين على الهروب خارج الصومال وترك استثماراتهم.

وفي تسجيل صوتي عبارة عن مكالمة هاتفية، قالت صحيفة نيويورك تايمز إنها حصلت عليه من مصادرها، فإن المهندي كان يتحادث مع سفير قطر، حيث قال إن مسلحين نفذوا تفجيرات في ميناء بوصاصو لتعزيز مصالح قطر، وذلك بحسب التسجيل الذي حصلت عليه صحيفة "نيويورك تايمز".

ففي إقليم "بونتلاند" الهادئ الذي يقع شمالي شرق الصومال، سعت حركة الشباب المدعومة من إمارة الإرهاب القطرية، إلى نشر مزيد من الفوضى والتشرذم الأمني، من أجل طرد المستثمرين الذين يسعون لإحياء نهضة هذه المدينة التاريخية، خاصة بعدما تحصلت هيئة موانئ دبي على عقد مع ولاية بونت لاند لتوسيع وتأهيل الميناء.

وقال رجل الأعمال القطري خليفة قايد المهندي في المكالمة يوم 18 مايو، أي بعد حوالي أسبوع من التفجير: "التفجيرات والقتل، نعرف من يقف وراءهم".

وقال في إشارة إلى العاصمة المالية لدولة الإمارات العربية المتحدة "العنف يهدف إلى جعل سكان دبي يفرون من هناك، اسمح لهم بطرد الإماراتيين، حتى لا يجددوا العقود معهم وسأحضر العقد هنا إلى الدوحة، عاصمة قطر".

وعند سؤاله عن محادثة الهاتف الخلوي، لم يطعن السيد المهندي ولا حكومة قطر في صحة التسجيل، لكنهما قالا إنه كان يتحدث كمواطن خاص وليس مسؤولاً حكومياً.

وقال مكتب الاتصال الحكومي القطري في بيان لصحيفة التايمز: "كانت السياسة الخارجية لدولة قطر دائمًا سياسة لتحقيق الاستقرار والازدهار - نحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان ذات السيادة، أي شخص يفعل ذلك لا يتصرف نيابة عن حكومتنا".

لكن في تسجيل المكالمة الهاتفية التي أجرتها وكالة استخبارات أجنبية معارضة للسياسات الخارجية لدولة قطر، لم يعرب السفير عن أي احتجاج أو استياء من فكرة أن القطريين لعبوا دورًا في التفجيرات.

وأجاب السفير حسن بن حمزة هاشم: "لهذا السبب يهاجمون هناك، لجعلهم يفرون"، فيما أكد رجل الأعمال المُهندي للسفير"لقد كان أصدقاؤنا وراء التفجيرات الأخيرة".

من المعروف أن السيد المهندي مقرب من الأمير القطري تميم بن حمد آل ثاني، كما أن هناك صور لهما معًا، ووفقًا للتقارير الإخبارية والرسائل النصية التي قدمتها وكالة الاستخبارات، كثيرا ما يسافر السيد المهندي مع الأمير.

وفي مقابلة هاتفية قصيرة مع صحيفة نيويورك تايمز، نفى السفير معرفته بالسيد المهندي وأنهى الاتصال.

وفي مقابلة هاتفية منفصلة، قال السيد المهندي إنه كان مجرد "صديق للمدرسة"، وأضاف "أنا رجل متقاعد وتاجر، أنا لا أمثل أي حكومة".

وردا على سؤال عن سبب وصفه للمهاجمين في بوصاصو بأنهم "أصدقاء"، قال السيد المهندي، "جميع الصوماليين أصدقائي"، ما يؤكد أنه إذا كان القصد من هجوم بوصاصو هو طرد الإماراتيين، فلم يكن هذا أول هجوم يستهدفهم.

وفي تسجيل الهاتف المحمول، يشير السيد المهندي إلى عقود الحكومة مع موانئ دبي العالمية، الشركة الرئيسية في دبي التي تم توظيفها لإدارة الموانئ في بوساسو و مدينة في مقاطعة أرض الصومال. يقول إن أحد أقارب الرئيس "معي" وسينقل عقود موانئ دبي العالمية إلى قطر.

حركة الشباب، إحدى الشركات التابعة لتنظيم القاعدة، وداعش في الصومال، وهي مجموعة أصغر، تعتبر الحكومة الصومالية عدوها الرئيسي، حيث نفذت الإمارات العربية المتحدة عمليات عسكرية ضد كلتا المجموعتين، لكن من غير الواضح سبب انضمام هذه المجموعات إلى قطر، التي دعمت أيضًا الحكومة الصومالية.

وسبق أن نفت قطر دعمها للشباب أو الجماعات المسلحة الأخرى، حيث كان الرئيس ترامب قد اتهم قطر ذات مرة بتمويل الجماعات الإرهابية، لكن عندما زار آل ثاني البيت الأبيض هذا الشهر، وصفه ترامب بأنه صديق وامتدحه وزير الخزانة ستيفن منوشين لمساعدته في مكافحة تمويل الإرهاب وضح 185 مليار دولار كاستثمارات في أمريكا.

وفي أبريل 2018، صادرت السلطات الصومالية 9.6 مليون دولار نقدًا من طائرة إماراتية في مطار مقديشو، فيما قال مسؤولون إماراتيون إن الأموال كانت تهدف إلى دفع رواتب الجنود الصوماليين وضباط الشرطة تحت التدريب الإماراتي. واتهم الصومال الإماراتيين بالتخطيط لاستخدام الأموال لشراء النفوذ أو زعزعة استقرار البلاد.

وطالبت الإمارات العربية المتحدة بالاعتذار، فقامت بقطع تعاونها مع الحكومة الصومالية، مشتبهًا بأنها تقف إلى جانب تركيا وقطر، بعدها حول الإماراتيون دعمهم وعملياتهم إلى مقاطعتين شماليتين متخاصمتين للحكومة المركزية - مقاطعة أرض الصومال الانفصالية ومقاطعة بونتلاند شبه المستقلة، والتي تضم بوصاصو.

وقالت شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية في عام 2017 إنها وافقت على استثمار 336 مليون دولار بموجب عقد مدته 30 عامًا لتوسيع وتشغيل الميناء في بوصاصو، كما تعهدت الشركة بمبلغ 440 مليون دولار في العام السابق لتطوير ميناء في أرض الصومال.

لكن مع تمزق العلاقات بين الإمارات والصومال، تحركت قطر بسرعة للاستفادة من خلال تدعيم علاقاتها مع الرئيس الصومال عبدالله فورماجو الذي بدا كأنه عبد مطيع للدوحة، وفي الشهر الذي أعقب المصادرة النقدية، قال مسؤولون قطريون لرويترز إنهم كانوا يقدمون 385 مليون دولار في البنية التحتية والتعليم والمساعدة الإنسانية إلى الصومال.

وفي يناير وفرت قطر 68 عربة مدرعة لمساعدة الحكومة في محاربة حركة الشباب والمتطرفين الآخرين.

وإذا تم التأكيد على هذا التسجيل، فإن مطالبة رجل الأعمال القطري المهندي، تشير إلى أن قطر قد تغاضت ضمنا على الأقل عن هجمات المتطرفين في بوصاصو، حتى أنها ساعدت الحكومة على محاربة المتطرفين في مقديشو، وقال مسؤول سابق في وزارة الدفاع الصومالية إنه لن يفاجأ إذا كانت قطر تحاول أن تلعب دور الجانبين لصالحها.

ونوهت الصحيفة إلى أن السفير القطري لم ينف التسجيل الصوتي، ولم يعرب عن استيائه لتنفيذ تلك التفجيرات لصالح بلده، وكذلك لم يبد أي امتعاض من إشراف قطريين عليها.

ولدى الاتصال به لم ينف المهندي المكالمة الهاتفية، وقال إنه كان يتحدث مع السفير القطري كمواطنين وليس كمسؤولين رسميين.

ومما يؤكد سياسة "الوجهين" القطرية، تصريح مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأمركية، أنه من غير المفاجئ أن تلعب قطر دورا مزدوجا يظهر مساندة الحكومة، ويدعم الجماعات الإرهابية.

وكانت تقارير أمنية أميركية أكدت في قت سابق أن قطر ضالعة في تمويل حركة الشباب الإرهابية في الصومال.

ولعب ممولون معروفون للإرهاب، يعيشون في قطر بحرية، دورا محوريا في تمويل الحركة، المرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، بشكل مباشر وغير مباشر.

وعلى رأس هؤلاء القطري عبد الرحمن بن عمير النعيمي، الذي تربطه حسب تقرير لوزارة الخزانة الأمريكية علاقة وثيقة بزعيم حركة الشباب حسن عويس.

وتقول محللة سابقة لقضايا مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية، إن قطر قد تكون استعانت بمتطرفين محليين لشن بعض الهجمات في الصومال، لتعطيل مصالح خصوم الدوحة.

وأظهر تسجيل نيويورك تايمز إلى أي مدى تمضي الدوحة في تكريس نفسها لخدمة أجندتها الداعمة للإرهاب ونشر الفوضى في المنطقة، تارة تحت غطاء دبلوماسي، وتارة باستخدام أذرعها وعملائها في التنظيمات الإرهابية المنتشرة، وعلى رأسها تنظيمي الإخوان والقاعدة الإرهابيين والجماعات التابعة للتنظيمين، ومنها حركة الشباب الصومالية التي تنفذ بها قطر سياساتها التخريبية في القرن الأفريقي.

ففي فبراير، قام اثنان من المهاجمين يتنكرون أثناء قيام الصيادين بإطلاق النار وقتلوا مدير شركة إماراتية تعمل في إدارة الميناء، وقالت شركة P&O Ports إن ثلاثة موظفين آخرين أصيبوا.

وتعرض بول أنطوني فيرموسا​​​، رئيس عمليات فرع شركة "موانئ أند أو" المملوكة لحكومة دبي، التي تدير ميناء بوصاصو، لحادث اغتيال الإثنين 4 فبراير، في منطقة بلاد البنط "بونتلاند"، شمالي شرق الصومال، حسب ما ذكر موقع صومالي توداي الإخباري.

وأعلنت جماعة الشباب المتشددة حينها مسؤوليتها، قائلة إنها اغتالت المدير لأن الشركة الإماراتية "تحتل" ميناء بوصاصو، وقال متحدث باسم الشباب عن مدير الميناء: "لقد حذرناه لكنه تجاهل، لقد كان وجوده غير قانوني في الصومال".

تميم العار لم يستخدم أمواله المسمومة ودبلوماسيته الخبيثة بمعاونة حليفه العثماني إردغان في السيطرة على صناع القرار بحكومة الصومال الفيدرالية فحسب، بل امتد ذلك لدعم خفي للتنظيمات والحركات الإرهابية هناك ومنها حركة الشباب المتشددة.

فيرموسا الذي يحمل جنسية مالطا، تلقى عدة تهديدات سابقة بالقتل ما لم يسلم إدارة الميناء ويترك البلاد فورًا، حيث اعتبرت حركة الشباب في بيانها الأخير أنه يتواجد في البلاد بطريقة غير شرعية، رغم أن هناك عقد مبرم بين شركة موانئ دبي وولاية بونتلاند، ووافق عليه 59 عضوًا من برلمان الولاية من أصل 66.​​​ 

الحادث لم يكن الأول وربما لن يكون الأخير في ظل حالة الترهيب الذي يشنها تنظيم الشباب المتشدد ضد موانئ دبي، بإيعاز من تميم وسيده العثماني إردوغان، بعدما فشلت قطر وتركيا في السيطرة على معظم موانئ القرن الإفريقي.

ففي مطلع العام الماضي تعرض حسن حيلي القائد الأمني في قوات حراسة ميناء بوصاصو، للقتل على يد مسلحين، يعتقد أنهم أيضا من حركة الشباب الصومالية.

ميناء بوصاصو أنشئ في الثمانينات كجزء من صفقة المصالحة بين الجبهة الصومالية الديمقراطية للإنقاذ - أولى حركات التمرد المسلحة - وبين نظام سياد بري، برعاية وتمويل إيطاليين.

ويقع الميناء تحت إدارة حكومة ولاية بونت لاند، وشهد انتعاشًا منذ سقوط نظام سياد بري، ويعتبر الميناء المطل على خليج عدن عصب الحياة في بونت لاند، حيث تحصلت هيئة موانئ دبي على عقد بقيمة 336 مليون دولار مع بونت لاند لتوسيع وتأهيل الميناء، في أبريل 2017، ولم يتضح حتى الآن ما إذا كانت الهيئة ستتولى إدارته أم لا.

وكان رئيس ولاية بونتلاند، سعيد عبد الله دني، الذي انتخب في 8 يناير الماضي؛ قد تعهد بطرد المتشددين الإسلاميين من مناطق الولاية، التي يتمركزون فيها، والذين يتمتعون بدعم قطري وتركي أكدته تقارير إعلامية صومالية وغربية.

تاريخ التغلغل القطري في الصومال يمتد منذ سقوط الحكومة المركزية بداية عام 1991، وما تلا ذلك من حرب أهلية، ما أدخل البلاد في مرحلة خطيرة من الفوضى والاضطراب، ونشأ عن ذلك فراغ أمني وسياسي، ما أتاح فرصة ثمينة للحركات الإسلامية المتشددة، التي رعاها تنظيم الحمدين.

وانتشرت في البلاد حينها هيئات قطرية، تحت ستار أعمال الإغاثة، وتمويل المشاريع الخيرية، ما جعل الإسلاميين المتشددين، التي انبثق عنها حركة الشباب المتشددة، قوة لا يستهان بها في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ويخوض الصومال حربا منذ سنوات ضد حركة "الشباب" التي تأسست مطلع 2004، وهي حركة مسلحة تتبع فكريا تنظيم "القاعدة" وتبنت العديد من العمليات الإرهابية التي أودت بحياة المئات.



Advertisements