Advertisements

الدان" و إثارة الوجدان


الدان  هو فن من الفنون الشعبية في حضرموت بل ان الدان ارتبط بسم حضرموت منذو قديم الزمن ، و الدان لا يمكن تحديد نشأته بالضبط  و لكن كلمة (الدان) ذكرت في الأشعار القديمة منذ مئات السنين ، و هي كلمة مستنبطة من (الدندنة).

و الدان هو (اللحن) الذي يُدندن به (مغني الدان) في الجلسات او سمرات الدان و يكون قبل الشِعر أي ان اللحن في جلسة الدان يسبق الكلمة (القصيدة). 
و على حسب لحن الدان و تقاطيعه يتم وزن كلمات القصيدة من قبل الشعراء المشاركين في جلسة الدان.

و قد انتشر و ازدهر هذا اللون من الفنون الشعبية بشكل ملفت في خمسينيات و ستينيات القرن المنصرم و يعود هذا لدخول مدارات الدان (اي مساجلاته) كبار مغنيي الدان الذين امتازوا بوضع الألحان البديعة و التي لازالت خالدة الى يومنا هذا و بمشاركة  كبار الشعراء. 
- و من أبرز رواد هذا الفن الجميل ( الشاعر المعلم عمر بن عبدالله بامخرمة و الشاعر خميس سالم كندي و سالم عبدالقادر العيدروس و الشاعر مستور حمادي و الشاعر حداد بن حسن الكاف و الشاعر حسين ابوبكر المحضار و الملحن المغني عاشور أمان الذي ذكره الشاعر حداد بن حسن الكاف في أغنيته المشهورة على سبيل المثال :

بسألك يا عاشور عن حال البلد
و اخبار غنانا و كيف الناس و البلدة
بالله خابر عاد حد من بعد حد
او عادهم في ذكر حداد. 

- و ايضاً لا ننسى الشاعر و الملحن و مغني الدان محمد محفوظ سكران الملقب (الكالف) صاحب الأغنية الشهيرة :

ما بانساهم
من خاطري لا و لا با سواهم
قلبي معاهم
لأنه مولع
في حبهم دائماً لازال. 

- و من خلال ذكر البيتين السابقين و هما لقصيدتين مختلفتين نلاحظ ان التفعيلات و القافية تختلف من شطر لآخر و احيان نرى قوافي عدة في البيت الواحد و هذا (ماميّز) قصائد الدان الحضرمي عن باقي القصائد و ايضا هذه الميزة في (تقطيع الوزن) جعلته يكتسب القدرة في التنغيم و الإبحار في الألحان بشكل متميّز مما جعل ملحنيه يصيغون اجمل الألحان بالتنوّع الملفت في المقامات الموسيقية و كذلك تقديم شعرائه الكلمات ذات طابع بديع منفرد غالباً ما يكون في حروفه الشجن و ألآم المحب و حنينه. 
- و الدان في غالب الأحيان نرى (الجناس) الذي يصاحب مفردات قافيته و هذا ماجعله اكثر جمالاً و روعة و الشعراء في جلسات الدان يظهرون قدراتهم الشعرية في تركيب هذا الجناس بشكل ملفت و راقي و قد تميّز و اشتهر كثيرا بهذه القدرة الشعرية الشاعر و الملحن الكبير حسين ابوبكر المحضار و الذي يعد من أبرز مطوري الأغنية الحضرمية و من أمثلة ابداعاته في مجال الجناس الغنائي في الدان نذكر مطلع رائعته الغنائية كمثال :

المحبة بدون إخلاص سبّة و تهمة
تورث القلب هم
و المودة من المحبوب رأفة و رحمة
يا حبيبي رحم
فيك قاسين جم
ما تهوبت ظلمة
انت وينك و انا وين
من احسانك تفضل جود لي باللقاء يا قُرة العين

نلاحظ الجناس (الناقص) الجميل في مفردات قوافي البيت الشعري للمحضار و التي يختلف معناها بحسب موقعها في الجملة الشعرية و كذلك الإبداع في اختلاف تركيبة الأحرف ليعطينا كلمة أخرى بمعنى آخر لكنها بنفس الأحرف مع اختلاف التركيب بزيادة حرف او نقصانه ، و نقيس على ذلك الكثير من قصائد الدان لكثير من الشعراء مثال ذلك رائعة الشاعر الكبير محمد حسن الكاف :

ذا فصل ضاعت عليّ دُرة
في الأرض من شانها بادور
بسأل عليها و بادور لها في كل بندر
يا الزين كُلين يتمناك

نلاحظ في البيت أعلاه كما ذكرنا سابقاً اختلاف القافية و الأوزان من شطر لآخر و هذا هو سر جمال الدان.

- و الدان في جلساته لا تصاحبه أي آله موسيقية ، و لكن فيما بعد تم أخذ بعض هذه الألحان و قصائدها و تم تطويعها و تطويرها ليتم تقديمها غنائيا بالإيقاع و موسيقى العود و الربابة لتظهر بذلك الأغنية الحديثة للدان الحضرمي.

- و من ابرز فناني أغنيات الدان و مطوريها الفنان محمد جمعة خان و الفنان سعيد عبدالمعين و الفنان
أبوبكر سالم بلفقيه و الفنان صالح سعيد باعيسى و الفنان أحمد بدوي الزبير و الفنان كرامة مرسال و الفنان مفتاح كندارة و الفنان محفوظ بن بريك و غيرهم الكثير. 

- و الدان عدة أنواع نذكر أشهرها :
الريض ، الحيقي ، الهبيش.
و نحن هنا لسنا في الخوض في تفاصيل و شرح أنواع الدان. 

- و قد تأثر الفن الخليجي بالدان الحضرمي لعدة أسباب منها :

أ - ان الدان ذو طابع شجي و مؤثر حيث انه يعتمد في صياغته على طول نغم اللحن او قصره و سلاسة الكلمة المعبرة عن حال العاشق المحب او المفارق المشتاق الذي أنهكه الشوق و الحنين وقد تم تقبله و محبته بل و تغنى به أشهر فناني الخليج لعذوبة ألحانه و تناسقها مع الكلمة.

ب- كتابة القصيدة بإسلوب مغاير للإسلوب المعروف و بهذا خروجها عن قاعدة كتابة القصائد لتكون أقرب للشعر الحديث و لكن بنمط يخضع لشروط معينة و لا يوجد هذا النمط إلاّ في الدان الحضرمي ليكون ذو صياغة متفردة ليصبح جزء من ثقافة حضرموت الفنية.  

ج- إختلافه عن الأغنية المعروفة في الخليج من خلال (إحترافية) تقطيع أوزانه و تجانس قوافيه مما أضفى له أعذب الألحان ليفرض في غنائه على المغني مسؤلية الإحساس بالكلمة و اللحن. 

د - اضافة لذلك اللهجة الحضرمية (الكلمة) و التي تقترب في نطقها بشكلٍ كبير للخليج.

هـ - و كذلك تنوع مقاماته الموسيقية و ايقاعاته و سرعتها مما اضاف إليه استحسانا لدى عشاق الطرب.
و قد تأثر الفن الخليجي به بشكل واضح و نلاحظ ذلك من خلال غنائه من معظم فناني الخليج و إلى يومنا هذا.

- و أغنيات الدان لما لها من مكانة خاصة في نفوس فناني حضرموت و جمهوره فقد جرت العادة و إلى يومنا هذا و كأنه شرط بأن تكون أول أغنيتين على الأقل في أي سهرة غنائية أو جلسة تكون من أغنيات الدان و تسمى (الإفتتاحية) كيف لا و هو يُعد بمثابة  جزء من ثقافة حضرموت و من أركان موروثها الغنائي الذي لابد من حضوره من خلال تقديمه في أي سهرة او جلسة غنائية. 

- و تعتبر أغنيات الدان في حضرموت (المحك) الحقيقي لكل الفنانين فمن لا يجيد هذا اللون الغنائي لا يعتبره البعض فنان.   

- و أخيراً نشكر وزارة الثقافة ممثلةً بوزيرها الأستاذ/ مروان دماج و نائبه الأستاذ/عبدالله باكدادة و وكلاء الوزارة و مدراء مكاتب الوزارة في مختلف المحافظات و المديريات في سعيهم المشكور لإدراج ( الدان الحضومي ) ضمن قائمة اليونسكو للفنون الشعبية غير المادية فهو فن صوتي راقي يثمل ثقافة شعب.

عبدالله باوزير "أبوفيصل" 
رئيس مؤسسة حضرموت للتراث الفني،
ورئيس منتدى ملتقى الأحبة الفني الثقافي بالمكلا



Advertisements