تكنولوجيا (البلوك تشين) والعقود الذكية                              

تكنولوجيا (البلوك تشين) والعقود الذكية                              

من أجل تصحيح المسار التعاقدي القانوني والاقتصادي في العراق، ولغرض توفير الحماية القانونية للعقود العامة والخاصة والقضاء على حالات الفساد والتزوير في المعاملات الرسمية ولتوفير النفقات الوظيفية المتمثلة بالحلقات الرقابية على ابرام العقود بعد تنفيذها والانتهاء من حالات أقامة الشكاوي الجزائية في حالات الفساد والقضاء على انحراف سلطات المسؤولين في جهات التعاقد من التلاعب في مرسى التعاقدات، تحاول هذه المقالة تسليط الضوء على هذا النمط من العقود الذي يحمي الأموال العامة والخاصة ويرفع أداء العمل القانوني والإداري بشكل تقني وذاتي بعيد عن التدخل الإنساني، وكالاتي:



1-            ظهر مصطلح العقود الذكية (smart contract) في أواخر التسعينات من القرن الماضي، من قبل عدد من خبراء المعلوماتية وفي مقدمتهم المعلوماتي ورجل القانون الأمريكي                          (Nick Szabo)؛ الذي أعلن عن هذا الشكل التعاقدي الجديد، من خلال مقاله صادرة له عام 1997 حملت عنوان ( العقود الذكية إضفاء الطابع الرسمي على الشبكات العامة وتأمينها). وبفضل جهود المتخصصين في مجال التكنولوجيا ورقمنه المعلومات الذين طرحوا فكرة هذا النوع من العقود الذكية، التي لها ميزة اتخاذ القرارات وتنفيذها على وجه معين وفي ميدان بذاته، لأهميتها بنجاح مراحل عمليات التعاقد بمزيد من الأمان، منطلقين في ذلك من فكرة أساسها زوال الغير المؤتمن خلال عملية التعاقد، عن طريق أتمتة جميع مراحل العملية العقدية، بداية من مرحلة الإبرام والتنفيذ حتى مرحلة فرض الجزاءات العقدية في حال إخلال المتعاقد وتلكؤه بتنفيذ بنود العقد.

2-            ولأيمان الأنظمة القانونية لدى الفقه الأمريكي والفرنسي بنجاح فكرة هذا النوع من العقود ساعد على الإسراع باستخدام أنظمة وبروتوكولات معلوماتية وفق بنيان قانوني واقتصادي منظم، وبتطور العقود الذكية، صاحبه تطور تشريعي  في هذا النوع من العقد في كل من أمريكا وفرنسا، فقامت الولايات المتحدة الأمريكية بتطبيق هذا النوع من العقود وتهيأت كافة متطلباته في مرافقها العامة، لتجهيز الإطار القانوني الأمثل للعقود الذكية من خلال صدور القانون الخاص به سنة 2017 بولاية نيفادا، المعدل لأحكام القانون الاتحادي الخاص بالمعاملات الالكترونية، معترفا بجميع الآثار الثبوتية لهذا العقد، مع الإعفاء من أي شكل من اشكال الخضوع الضريبي، بينما نجد في القانون الفرنسي للوهلة الأولى عدم الاعتراف بالعقود الذكية، من خلال موقفه الواضح من عدم دعم رقمنة المسارات التعاقدية في مجال العقود الالكترونية، من خلال عدم الاخذ بها في التعديل الاخير لعام 2016  وما اجراه من تعديلات على نظرية العقد في القانون المدني الفرنسي، إلا انه كان له موفقا في جانب اخر عندما ساير تطورات التكنولوجيا الحديثة التي تقوم عليها العقود الذكية وفق ما يصطلح علية (البلوك تشين) أو بالانكليزية (Technology Blockchain)، وجاء الاعتراف بهذه التكنولوجيا في ابريل من عام 2016، و ديسمبر من نفس السنة. وعن التشريعات العربية، وبالرغم من حداثة هذا النوع من العقود الذي يقوم في اساسه على منظومة البلوك تشين التي تعد اساس العقود الذكية، والتي لا يمكن اعتبارها من ضمن طائفة المعاملات الالكترونية التي قامت بها العديد من الدول العربية مؤخرا من تشريع لقوانين المعاملات الالكترونية والتوقيع الالكتروني ومن بينها العراق، فكما اشرنا ان هذا النوع  من العقود يقوم على أطار معلوماتي برمجي ورقمي، ولا نتفق في ذلك من المتخصصين الذين ذهبوا نحو دخول دولة الكويت والأمارات العربية المتحدة في فلك العقود الذكية بعد تعديل قانون المعاملات الالكترونية الكويتي لعام 2014، والإماراتي لعام 2006، مستندين في ذلك على اعتراف القانون بالنظم الالكترونية المؤتمتة، والوسيط الالكتروني المؤتمت، وبجواز التعاقد بين نظم الكترونية مؤتمتة بواسطة مستند او سجل الكتروني، فلا يعطي أكثر من جواز ابرام وتوقيع العقود بالطريقة الالكترونية، اقتصارا للوقت والجهد ودرء الفساد، وانسجاما مع  شيوع مبادئ الحوكمة الالكترونية واثرها في نجاح المعاملات الالكترونية، بينما يقوم الفيصل في العقود الذكية على منصات رقمية وبرمجية تقود العملية التعاقدية بشكل لا يحتاج إلى أي دور من الغير.

3-            ومفهوم البلوك تشين  (Technology Blockchain) أو ما يسمى بالعربية (سلسلة الكتل)، هو عبارة عن منصة تتجسد في أكبر سجل رقمي موزع ومفتوح، يمكن من خلاله تخزين أكبر قدر من المعلومات والمعاملات، بصفة مفتوحة في دفتر غير ممركز، ويتمثل هذا النظام بكونه أحد التكنولوجيات المميزة بخاصية الاستغناء عن الوساطة في التعامل وفكرة الغير المؤتمن (البنك، الموثق، الإدارة)، وذلك لدقة تقنيات التشفير التي يوفرها، فمن خلاله يمكن لكل مستخدم الاطلاع على هذا الدفتر، وبدرجة امان عالية، ويتميز البلوك تشين بأنه، دفتر للمعاملات والتصرفات، ولا يقبل التعديل أو التغيير أو التحريف، مفتوحا ومتاحا للكافة، وأهم خاصية له هي اللامركزية كونه غير مسيطر عليه من أي جهاز مركزي (ولعل هذه الصفة من اهم صفات الآمان ذات المردود الامني العالي الغير موجودة في العقود التقليدية)، وتأخذ هذه التقنية تسميتها – سلسلة الكتل- من نظام سيرها، فالمعاملات التي تثبت على الشبكة يتم تجميعها في كتل، كل واحدة منها تتحمل قدرا معينا من المعاملات، ومرتبطة ببعضها بتوقيع رقمي، يتحقق من قيد المعاملة بختم ووقت اتمامها وثباته من سلامة السجل، وبذلك يكون أي اضافة أو سحب أو تعديل للمعاملة يؤدي إلى ابطال بصمة تشفير السلسة بأكملها. وبستوجب هنا التفرقة بين البيتكوين والبلوك تشين، فلا صحة للادعاء القائل بأنهم كيان واحد، من حيث ان البيتكوين هو أحدى العملات المالية المصرفية للبلوك تشين، فالبلوك تشين هو الاساس لعملة البيتكوين.

4-            يتم تطوير منصة البلوك تشين وتحديثها عبر نظام (أوراكل)، وهو عبارة عن شخص أو برنامج يعمل على تنوير وتحديث منصة البلوك تشين بما يجري حولها في العالم الحقيقي، ويتجسد نظام أوراكل أما في شخص طبيعي أو معنوي، بواسطة جهاز أو دعامة، او برنامج لتشغيله على منصة البلوك تشين، ولحاجة العقد الذكي إلى معلومات لاجل تشغيله يستلزم علمه ببعض المعلومات من العالم الخارجي، فقد يحتاج إلى معرفة سعر الدولار مقابل الدينار أو الدولار مقابل اليورو، او غير ذلك من المعلومات التي تكون بحاجة اليها فيتم تحديثها وتطويرها  وتزويدها من خلال الاوراكل.

5-            يؤدي البلوك تشين ثلاث وظائف اساسية هي الحفظ، الارسال، الاتمتة، وتتمثل وظيفة الارسال في البلوك تشين من خلال تداول العملات المالية المشفرة كالبيتكوين أو الايثير أو العملات الرمزية المستعملة لاثبات السندات المنقولة أو المحررة، بينما تكون وظيفة الحفظ في مهمة التخزين في منصة البلوك تشين وتوفير الآمان للسجلات من التحريف او التغيير، تتجسد في تقنية متطورة، تتتبع ملكية الاموال والحقوق ( السلع المنقولة، السلع القابلة للتلف، الابداعات الفنية، الاموال غير المنقولة، اموال التأمينات...الخ)، في حين تنحصر المهمة الثالثة بأتمتة مراحل العملية التعاقدية وفق إستراتيجية آمنة وخاصة محققه ما يسمى بالعقود الذكية.

6-            ومن ثم تعمل منصة البلوك تشين على توثيق المعاملات المبرمة من خلال حلولها محل الوسطاء التقليديين، كالبنوك في عمليات التحويل المالي، او ادارة الشهر العقاري في تسجيل الممتلكات، ومحل ادارات المرور في تسجيل السيارات، ومحل السماسرة في عمليات البيع والايجار، وايضا مقام الوسطاء الالكترونيين، أو غيرها من الخدمات العقدية التي تتم بين أي طرفين، وذلك لصالح وسيط حديث يتمثل في ملايين المستعملين (المنقبين) المتواجدين في مختلف بقاع  العالم، الذين يستخدمون السلسة ويستفيدون من العائد المادي الذي كان يجنيه الوسيط التقليدي، فإذا اراد شخص شراء عقار من أخر، فله الاستعانة بمنصة البلوك تشين للدخول إلى السجل الخاص بالعقار المراد شراؤه، على اعتبار أن جميع الافراد قاموا بتسجيل ممتلكاتهم على المنصة بصورة علنية وواضحة، حيث تسهل له المنصة متابعة العمليات التي مر بها العقار للتأكد والتحقق من أصل ملكيته، وتاريخ انتقاله من مالك إلى أخر، ووقت تسليمه إلى مالكه الاخير، لظهور جميع عمليات التوثيق على المنصة، وبالنتيجة الاستغناء عن التأكد من  مستندات العقار في المستقبل من ادارة الشهر العقاري أو دوائر التسجيل. ولقى هذا التطور مجاله وصداه في منظومة التشريع الامريكي في المادة (5) ضمن باب المعاملات التجارية الالكترونية التي نصت على ( يعتبر التوقيع الذي يتم تأمينه في تكنولوجيا البلوك تشين، بأنه في شكل الكتروني، وبمثابة توقيع الكتروني، أي تسجيل أو العقد مؤمن بواسطة تقنية البلوك تشين يعد في شكل الكتروني. يمكن التعامل بالعقود الذكية في ميدان التجارة، كما لا يمكن انكار الاثر القانوني للعقود أو صحتها أو قوتها الالزامية، بداعي صدورها في شكل الكتروني).                   وتم قبول مشروع القانون في ولاية أيرزونا في 5 يونيو 2017  في مقاطعة نيفادا، التي تشير احكامه إلى الاعتراف بالعقود الذكية أو التسجيلات أو التوقيعات المخزنة في البلوك تشين، وبقوتها الالزامية وامكانية الاعتراف بها كدليل للاثبات وفقا للقانون الاتحادي للمعاملات الالكترونية UETA، فضلا عن الغاء الرسوم المفروضة على المتعاملين في البلوك تشين أو بالعقود الذكية، ومن ثم امتد التعامل على هذه المنصة إلى ولايات أخرى مثل هواي، وتنيسي، والينوا. واجاز التشريع الفرنسي التعامل بالبلوك تشين بمقتضى القانون رقم 1691- 2016 المؤرخ في 9/ ديسمبر/ 2016، الخاص بمكافحة الفساد وعصرنه الحياة الاقتصادية.

7-            فالعقد الذكي يعمل وفق- البلوك تشين- من خلال برنامج معلوماتي يهدف إلى تنفيذ العقد بطريقة ذاتية- أوتوماتيكية، دون توسط وتدخل الغير، تتيح للأشخاص الذين لا تربطهم علاقة  ائتمانية بإبرام التصرفات بصفة أمنة دون حاجة للائتمان لدى الغير، فالعقود الذكية – وكما سبق وبينا- تعتمد على البلوك تشين كآلة توزيع شامل لتشغيل برامج معلوماتية غاية في التعقيد، ولا ينكر التطورات التي أدخلت على العقود الذكية كانت بفضل منصة الأيثريوم التي تعتمد على لغة معلوماتية تعرف بسوليدتي. والجدير بالذكر أن منصة الايثريوم هي صاحبة التطور الرقمي الأفضل في  تشغيل العقود الذكية، وهي عبارة عن منصة تتيح لمستعمليها إمكانية انشاء تطبيقاتهم الخاصة على جهاز كومبيوتر مشترك تؤول ملكيته للجميع عبر العالم بحيث يتم الاعتماد على هذا التطبيق لتحقيق خاصيات الارسال والتخزين، ويتم في اطار عقد أصلي يلحق بالعقد الذكي لغرض اتمتة جزء من المراحل العقدية ليتم تشغيله وفقا للشروط المتضمنة في العقد الأصلي.

8-            ومن حيث الطبيعة القانونية للعقود الذكية، فان الفقه الأمريكي شهد رأين في ذلك أحدهما مؤيد تبناه قانون ولاية نيفادا بأنه عقدا عندما نص بأن ( العقود الذكية عبارة عن عقود مخزنة في قالب محرر الكتروني، وفقا لما يقتضي به القانون)، في حين أنكر الرأي الاخر صفة العقد  بمعناه القانوني على العقود الذكية ومنهم مخترع النظام – نيك إسزابو-  الذي وصف العقد الذكي بأنه عبارة عن دعامة معلوماتية تسعى إلى عصرنه المفهوم الكلاسيكي للعقد، فالأمر يتعلق بأدراج مشارطات عقدية، تم الاتفاق عليها في هذا البرنامج أو الدعامة، فالعقد الذكي يعتمد على مقاربة شرطية قائمة على قاعدة ( إذا تحقق هذا ...ترتب إذا)، وأيضا وقع الاختلاف لدى الفقه الفرنسي منهم من رأى انه عقدا بحتا وفقا لمدلوله القانوني وتبناه برونو دونديرو الذي بين بأنه عقدا مندمجا في البلوك تشين، بينما ذهب الفقيهين مصطفى مكي وكريستوف رودا إلى عدم اضفاء صفة العقد على العقود الذكية، كونها عبارة عن تكنولوجيا تتجسد ببرنامج معلوماتي، يرافق العقد، هذا يعني أن ثمة عقد سابق تم إبرامه في الشكل الأساسي.

9-            وعن مزايا العقود الذكية في مقابل العقود التقليدية، تتمثل باتمام مراحل ابرام العقد بدقة متناهية التي تتيح لمنظومة البلوك تشين في العقود الذكية تتتبع مراحل ابرام العقد بدقة متناهية زمانيا، وتنفيذ جميع مراحل ابرام العقد عن طريق قاعدة بيانات ومنصة رقمية تعمل على اتمتة جميع مراحل المشروع، وتأمين تبادل المستندات وكل ما يتعلق بمراحل ابرام العقد بدءً من اول مرحلة إلى انتهاء اخر إجراء. كما تتم هذه العملية بالاستغناء عن التدخل الإنساني، كالمدين أو الغير المؤتمن، فيتم تحويل الاموال بعد توثيق تحقق الشروط في المنصة. ومن المزايا المهمة للعقود الذكية هي فرض الجزاءات التعاقدية التي يعمل على تطبيقها في حال الإخلال ببنود العقد، وقد بين الفقيه الفرنسي مصطفى مكي ( أن القانون المدني الفرنسي بات أكثر من أي وقت مضى جاهزا لتلقي العقود الذكية، وتوظيفها تنفيذا لجزاء انعدام العقد في حالة وجود عقود مترابطة فيما بينها، بحيث يرتب زوال هذه العقود زوال جل العقود الأخرى). فضلا عن ان  التعديل الأخير للقانون المدني الفرنسي يوائم فرض الجزاءات من خلال منصة البلوك تشين، انسجاما مع الجزاءات التي استحدثها في التعديل الأخير ومنها الجزاءات التي يتم تنفيذها بالإرادة المنفردة للمتعاقد غير المخل دون حاجة لتدخل المدين أو القاضي، كحالة الفسخ بالإرادة المنفردة بتبليغ المدين وفق المادة 1226 من القانون المدني الفرنسي، وحالة الدفع بعدم التنفيذ في حالة امتناع الطرف الأخر قطعا او احتمالا وفق المادتان 1219- 1220 من القانون المذكور, او انقاص الثمن بإرادة منفردة  في حالة التنفيذ الجزئي استنادا للمادة 1223 من القانون انف الذكر، فما تقدم من النصوص القانونية نرى أنها متلائمة مع اجراءات اتمتة العقود  وتنفيذها بالنمط الذكي من دون حاجة لمراجعة القضاء أو الدخول مع الطرف المتلكئ في فلك التظلمات والطعون عديمة الجدوى. ومن أهم المزايا التي توفرها العقود الذكية هي العائد الأمني لحماية العقد والمتعاقدين، من خلال الضمانة التي توفرها منصة البلوك تشين في لعب دور ريادي وقيادي في حماية الوثائق والمستندات وصحتها، فمن خلال أتمتة إجراءات وابتعاد صاحب العلاقة عن الموظف المعني، ستغلق أبواب الفساد، ويغلق معها الدورة الورقية المتمثلة بالإجراءات المتبادلة بين دوائر الدولة، لأغرض عديم الجدوى والفائدة لغرض التأكد من وثائق صادرة من دائرة من نفس الوزارة أو غيرها!، وتقليل عدد الموظفين ونجاعة العملية التعاقدية، فالعقود الذكية هي الحل لتصحيح المسار القانوني والاقتصادي الذي تعانيه بلدان العالم الثالث بشكل عام والعراق بشكل خاص.

10-          يمكن أن يتم اللجوء إلى تطبيق العقود الذكية في العراق من خلال تشريع قانوني خاص بها أو دمجها مع قانون التوقيع الالكتروني والمعاملات الإلكترونية  رقم 78 لسنة 2012 بعد تهيأت المتطلبات التكنولوجيا، التقنية والمعلوماتية والتي أصبحت حاجة ملحة وأمرا ضروريا، خصوصا بعد عجز القوانين العراقية عن اداء دورها في ظل عصر التكنولوجيا الرقمي وتحديات الأزمات التي باتت عاجزة عن مواكبة هذا التطور، والأكثر ضررا من قوانينا القديمة هو ما نشهده من تشريعات كثيرة لا جدوى لها في الميدان العملي التطبيقي، وتعديلات لم يسبقها دراسة بحثية معمقة عن القانون المراد تعديله على ضوء حاجة المجتمع، فلم تنم عن  ادراك تشريعي وقانوني سليم يساند عمل مؤسسات الدولة والجهات القضائية بذلك. ومن الواجب التذكير هنا والاهتداء بالمشرع الفرنسي وما اجراه من تعديل على القانون المدني الفرنسي بعد مرور مائة عام على صدوره  وكان ذلك في عام 2016 حيث قلب التعديل كيان العقد وأعاد بناء هذه النظرية بما يتفق مع روح العصر والقانون والتطور الاجتماعي والسياسي وجاء في الأسباب الموجبة للتعديل ( ان القانون المدني الفرنسي انطفأ بريقه ولا يمكن ان يلبي حاجات ومتطلبات العصر). وكيف للعراق ما زال يعمل بهذا القانون بعد الغزو الالكتروني وتغير نمط الحياة على كافة الأصعدة وتغير ظروفها وباتت نصوصه برأينا قاصرة عن مواكبة مسار التطور.  وفي الختام نقول بالرغم من حداثة هذه التقنية الرقمية وأدوات العمل بها التي تكون غريبة على وزارات الدولة العراقية ومؤسساتها، إلا ان الحاجة لها باتت ضرورية وأساسية خصوصا مع ازدياد حالات الفساد وانخفاض العمل المؤسساتي وتراجع جودة الموظف وتشتته من خلال كثرة القوانين والضوابط والتعليمات وإلغائها وتعديلها التي أصبحت من أولى العقبات في الدوائر القانونية، فضلا عن توفيرها للوقت والإجراءات الذي وصل إلى مرحلة معاناة لا يمكن السكوت عنها لتنعكس سلبا على اداء المؤسسة، ولتحول نمط العمل تدريجيا بشكل الكتروني بعد جائحة كورونا الذي يستلزم من الحكومة العراقية العمل بالعقود الذكية وتهيئة مستلزماتها تماشيا مع الدول التي تبنته للظروف والأسباب التي تقتضي تطبيقه.