وجنت على نفسها مدينتي !

وجنت على نفسها مدينتي !

 



من منا – أيًا كان مستواه المادي- لا يحلم بالسكن في حي نظيف وراق، يضمن له توفر الخدمات، ووسائل الترفيه، وكل سبل الأمان؟ من منا لا يتمنى أن يعيش في حي يضم بين جنباته المسطحات الخضراء، والمساكن الطيبة التي لا يعاني ضوء الشمس للوصول إليها؟ لا أظن أن أحدًا منا لا يرغب في الحياة وسط أفراد يشبهونه في الأفكار والسلوكيات وطريقة الحياة، بيد أن ذلك يجب ألا ينسينا إحدى سنن الله في كونه وهي أن اتصال البشر – رغم اختلافاتهم - هو المعنى الأهم للوجود في الحياة، والسبب الرئيس لتطور البشر اجتماعيًا، وإنسانيًا.

ولن أبالغ إذا قلت إن حلم السكن الراقي – لا تأصيل الطبقية - قد أصبح الآن توجه دولة في مصر، فلقد تابعنا حرص القيادة السياسية على تحقيق هذا الحلم لجميع المواطنين وفي القلب منهم الأولى بالرعاية. 

وقد تجلى ذلك في توجيه المسئولين عن التطوير العمراني للأحياء السكنية التي يتم إعدادها لبني وطني من سكان المناطق العشوائية، أن تكون هذه الأحياء الجديدة «متكاملة» وبها كافة الخدمات وحتى سبل الترفيه. 

ولقد رأينا كيف أن مشروع «بشاير الخير» بالأسكندرية، ومشروع «الأسمرات» بالقاهرة، اللذين تم تأسيسهما كسكن بديل لسكان المناطق العشوايئة الأكثر خطورة، أصبحا يضاهيان المجمعات السكنية الراقية.

 فبخلاف الشكل الجميل للعمارات وألوانها المتناسقة، يضم مشروع «الأسمرات» بمراحله الثلاثة على -سبيل المثال-  عددًا من المبانى الخدمية منها مجمع مدارس لمراحل التعليم المختلفة، ودور حضانة، ومراكز طبية ووحدة صحية، ومركز رياضى وملاعب مكشوفة، ووحدات شرطة ومطافى وإسعاف وبريد، بجانب إقامة أسواق حضارية ومخابز ومركز تدريب وصيانة، فضلاً عن إنشاء مسرح كبير بين مراحل المشروع الثلاثة.

وفي الفترة الماضية، تابع كثير منا عدة حملات ترويجية لمجمع «مدينتي» السكني الفاخر بالقاهرة الجديدة، وهو واحد من المجمعات الأغلى في  شرق القاهرة. 

وقد غنّت في إحدى هذه الحملات المطربة «أصالة» بصوت أوبرالي « مدينتي... مدينتي»، حتى أن رواد مواقع التواصل الاجتماعي تناولوا الإعلان بسخرية متندرين، بقولهم إن «مدينتي» سوف تعلن الاستقلال عن مصر. 

ومع بداية شهر رمضان المنصرم أثار أحد إعلانات "مدينتي" الجدل مرة أخرى، حيث بدا جليًا أن مبدأ ترسيخ الطبقية صار هدفا للقائمين على الترويج لذلك الكمباوند الفاخر، إذ يؤكد الإعلان تفرد سكان المدينة عن غيرهم من باقي المصريين، خاصة مع جملة «الناس كلهم في المدينة شبه بعض، والكميونتي هنا حلوة.»

وبقدر ما أزعجني الإعلان الأخير، أدهشني الرقي الذي تعامل بها المستاؤن منه، وأثلج صدري التحضر الذي كان السمة الغالبة على طرق تعبيرهم عن هذا الاستياء وعلى المنهج الذي اتبعوه للمطالبة باحترام حقهم في التحفظ على طريقة الترويج التي رأوها تثير نعرات الطبقية وتخدش عزة أنفسهم.

 فبدلا من السب والشتم وصب جم الغضب على سكان هذا المجمع السكني أو على مطوريه، همّ نفر من رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالسخرية من الإعلان المسيء من خلال تصوير مقطع فيديو بدا وكأنه إعلان ترويجي لأحد الأحياء الشعبية في مصر على نفس المنوال المتبع في الإعلان الخاص «بمدينتي».

نعم.. أخذ الحق حرفة، لا يجيدها إلا قليل. استطاع هؤلاء الشباب أن يعبروا بخفة ظل، وروح شبابية عن مدى استيائهم من مضمون الإعلان الأصلي وقد احتوى على عبارات وإيحاءات لم تكن موفقة.

 وبتطبيق قاعدة «بضدها تتباين الأشياء» تمكن الشباب المبدع من إيصال رسالة الاحتجاج على إعلان «مدينتي».

 أما القائمون على المشروع فلم يجدوا مفرًا من الاستجابة الفورية لهذا السلوك الراقي في الاعتراض والاحتجاج، والتقطوا الخيط بعد أن فهموا أن الإعلان الذي أريد له الترويج أصبح معول هدم للمشروع، وقاموا بإعادة إنتاج نسخة جديدة من الإعلان تجنبوا  فيها كل ما أثار حفيظة هؤلاء الشباب ومن يتبنون وجهة نظرهم.

نحن جميعا مع السكن الراقي الذي يحفظ للفرد آدميته، ويحقق للاسرة رفاهيتها.

ويا ليت السكن في مصر يصبح كله مجمعات راقية، ومع ذلك، لن نقبل أن يتحقق هذا الحلم من خلال الترويج لإثارة الطبقية والتمييز بين أبناء الوطن الواحد، أو تفكيك أواصر الاخوة بين مواطني البلد الواحد .