تعرف على تاريخ مدينة الشيخ عثمان وكريتر للمؤرخ سلطان ناجي

نشر المؤرخ سلطان ناجي، تاريخ مدينة الشيخ عثمان  حيث قال في عام  1976م في الوثيقة السرّية رقم 18 المؤرخة في 24 فبراير 1858م و الموجهة من المقيم السياسي البريطاني في عدن (دبليو .أم . كوغلان) إلى حاكم الهند (إتش . أل . أندرسون)، و عندما كانت النيّة مُبيّتة للهجوم على الشيخ عثمان، يحاول كوغلان إعطاء الحاكم البريطاني في الهند لمحة تاريخية عن هذه المدينة اليمنية بقوله: ( و يجدر هنا أن نعطي إشارة قصيرة عن أهمية الشيخ عثمان. فهي قبل تاريخ هذا النزاع بمدى خمسين عاماً لم تكن سوى مزار و بها مسجد يصلي به المسافرون و محطة للقوافل. و بعد ذلك بُنيت قلعة صغيرة بالقرب منها كان يحرسها بعض أفراد قبيلة العبدلي بقيادة ضابط يعينه سلطان لحج، أما بقية السكان و عددهم نحو خمسين رجلاً فيعملون في صيد السمك و جمع الملح. و على الرغم من توفر المياه فلم تقم زراعة هناك. و منذ زاد الطلب على المياه في عدن قام السلطان علي بتعيين حراسة للآبار ثم أحتل أفراد من قبيلته المنطقة التي تعتبر ملتقى الطرق الآتية من الداخل و السائرة عبرها و التي منها تأتي غالبية المؤن الضرورية إلى عدن. فالموقع ذو أهمية بالغة و يعطي للمتحكم فيه الحماية أو المضايقة لكل من يقترب من أبواب عدن. و هو على بعد ميلين و نص من خور مكسر الذي يُعد نهاية حدود الأراضي البريطانية في إتجاه لحج، أما المنطقة الواقعة بين الشيخ عثمان و لحج فتسكُنها عشيرة العزيبي و هي فرع من العبدلي. إن إستيلاءنا على الشيخ عثمان يعد ضربه قاسية للسلطان علي، فقد يمنعه ذلك الحصول على أية دخول من الآبار، هذا بالإضافة إلى فقده لراتبه الشهري مما سيؤدي في النهاية إلى خضوعه لنا، ثم أن إحتلال الشيخ عثمان سوف يؤدي إلى المحافظة على جعل الطرق مفتوحة في كل المراكز حتى لحج نفسها و بذا يمكن لعدن المتاجرة مع المدن الأخرى و لن يستطيع السلطان علي أن يعوق هذا الإتصال).



 

حسب الوثيقة أعلاه إذن فإن الشيخ عثمان كانت في بداية القرن التاسع عشر لا تزال عبارة عن قبر أو مزار للولي الشيخ عثمان المدفون فيها و التي سُمّيت بإسمه ثم عشش قليلة تستوعب حوالي خمسين صياداً و ملاحاً، و يؤيد هذا الكلام (هنري سلت) الرحالة البريطاني الذي زار المنطقة قبل ثلاثين سنة من الإحتلال البريطاني لعدن. فعندما تكلّم عن منطقة الشيخ عثمان عام 1809م وهو في طريقه إلى لحج، يُظهر لنا أنها كانت لا تزال غابة من الغابات فهو يقول: (بعد حوالي نصف ميل من قبة الولي توغّلنا في غابة عميقة .. و تمتد هذه الغابة حوالي ثمانية أميال و يُقال أن الواحد سيمشي يومين كاملين عرضها من الغرب إلى الشرق)، ثم يُضيف سلت قائلاً: (إن الأغنام و الجمال كانت تُشاهد في كل أنحاء الغابة و إنها كانت تقتات الأوراق أو الأغصان الطريّة). كذلك فأن خارطة رسمها هينس عام 1839م تُظهر وجود غابة في هذه المنطقة. 

 

ولا شك أن منطقة الشيخ عثمان كانت ضاحية من ضواحي الميناء (كريتر) و إن ازدهارها و ذبولها أرتبط بمصيره، إلا أن التسمية الحالية لا ترجع إلى أكثر من حوالي المائتي عام. و في حوالي 1500م  (أي قبل 475 عاماً من الآن) هناك ذكر بأن الملك عبد الوهاب بن طاهر قد مد ساقية للماء من خارج عدن إلى كريتر من بير (أم هيت)، و كان طول الساقية (16000) ياردة. و الإحتمال أن ذلك البئر كان في مدينة الشيخ عثمان.

 

و بعد إحتلال الانجليز لعدن عام 1839م نجد أن الشيخ عثمان تصبح المكان الرئيسي لتجمّع المقاومة ضد الإحتلال البريطاني لعدن. فمعظم الهجمات الرئيسية التي كانت تُشن ضد كريتر خلال الخمس عشرة سنة الأولى من الإحتلال البريطاني كانت تبدأ من الشيخ عثمان. فمثلاً في 11 نوفمبر 1840م تجمّع حوالي خمسة آلاف مقاتل يمني من قبائل لحج و أبين في الشيخ عثمان و قاموا بغزو عدن. و لكن بما أن الانجليز كانوا يسيطرون على جبال عدن و كانوا يمتلكون أسلحة ثقيلة و متطوّرة أستطاعوا صد الهجوم اليمني قرب جبل حديد، و أُستُشهد في هذه المعركة أكثر من مائتي مقاتل و جرح ثمانية و ثمانون، أما الأسرى فقد أُستشهد ثمانية من كل تسعة منهم.

 

 كذلك كان هجوم يمني آخر في يوليو 1841م، و حاول اليمنيون تسلّق جبال كريتر و لكن نيران المدافع البريطانية من الجبال و من ظهر السفن الراسية أنزلت بهم خسارة فادحة. و خسر اليمنيون حوالي ثلاثمائة شهيد و خمسين جريحاً. و في 11 أكتوبر قام الإنجليز بغزو الشيخ عثمان و تمكّنوا من تدمير نوبة الشيخ مهدي ثم قلعة الشيخ عثمان ذاتها.

 

وأستمرّت الشيخ عثمان تُستخدم كمكان لتجميع المقاومة. فعندما جاء الشريف إسماعيل بالمجاهدين من وسط الجزيرة العربية لغرض إخراج الإنجليز من عدن نجد أيضاً أن الشيخ عثمان تصبح مكان رئاسته في عام 1846م و منها كان يرسل هجماته. و مرة ثانية قام الإنجليز في 1858م بالهجوم على الشيخ عثمان بقيادة كوغلان نفسه المقيم السياسي البريطاني الثاني في عدن و دمّروا القلعة، و أُستشهد أربعون يمنياً.

 

و في عام 1868م أستطاع الإنجليز أن يتفقوا مع السلطان العبدلي على إقامة قناة للماء من الشيخ عثمان إلى برزخ خور مكسر، فقد بُنيت هناك داخل السور التركي قرب جبل حديد بركة كبيرة لإستلام مياه القناة و منها كانت تحملها جواري الجمال عبر بغدة (نفق) جبل حديد إلى كريتر. و كانت مسألة الماء من القضايا التي كانت تؤدي إلى تبادل الهجمات بين الإنجليز و أهالي الشيخ عثمان و ذلك بسبب فرض السلطان الضرائب و الرسوم على أحمال المياه التي كانت تأخذها الجمال إلى عدن كلما ساءت العلاقة بينه و بين الإنجليز.

ونتيجة الوجود التركي الثاني في شمال اليمن، فقد قام الإنجليز بتوسيع منطقة نفوذهم،  فأستطاعوا بأثمان بخسة أن يشتروا عدن الصغرى من العقربي ثم الشيخ عثمان من السلطان العبدلي و ذلك بمبلغ خمسة و عشرين ألفاً من الريالات و كان ذلك عام 1882م. و يعود تخطيط مدينة الشيخ عثمان و بناؤها بالشكل الذي هي عليه الآن إلى ما بعد ذلك التاريخ. أما مدينة الشيخ عثمان الأصلية فهي قرية الشيخ الدويل التي بجانبها قبر الولي و الذي سُمّيت المدينة بإسمه.

 

 و في عام 1885م أستطاعت شركة إيطالية تأسيس أول صناعة للملح في منطقة الشيخ عثمان و تبعتها في عام 1899م شركة هندية. و بسبب الحاجة إلى مئات من العمال في هذه الصناعة الناشئة بدأت الشيخ عثمان تتوسع . كذلك بسبب إزدحام السكّان في كريتر أنتقلت أعداد لا بأس بها إلى المدينة لا سيما أن مشكلة المياه لم تكن موجودة فيها مثل كريتر و المعلا و التواهي. و كذلك فإن هواءها البرّي العليل خاصة أثناء الليل قد جذب إليها بعض الموسرين من كريتر فكانت لهم بيوت في الشيخ عثمان خلال فصل الصيف أو بساتين ذات برك للسباحة في ضواحي المدينة.

 

 و في بداية هذا القرن دُفن في المدينة الولي (هاشم بحر) و سرعان ما أصبحت زيارته أهم من زيارة الشيخ عثمان في (الشيخ الدويل) الذي سُمّيت المدينة بإسمه، بل و أصبحت زيارة الهاشمي تكاد تكون أهم زيارة في عدن. و لا شك أن موقع المدينة قد ساعد على جذب الناس إليها يوم الزيارة كنوع من الفسحة و للهروب من هواء كريتر الرطب الحار.

 

و يصف لنا الريحاني الذي زار عدن في مطلع هذا القرن هذا الولي بأسلوبه الساخر قائلاً: ( إن ولي الله هاشم بحر كان يشتغل حمالاً عند أحد التجار في كريتر، و قد لاحظ عليه صاحبه كثرة إدمانه تعاطي القات بعد الظهيرة و النوم الكثير في الصباح. و في مرة من المرات جاء إلى صاحبه و هو يحمل كيساً من النقود، فترجاه أن يشتري له بقعة في الشيخ عثمان ليبني له عليها مسجداً لأنه أراد أن يُطهّر المدينة من إغراء الصوماليات و كذا من شرّ عساكر الإنجليز الذين أفسدوا أخلاق الشيخيين بسبب ترددهم الدائم على أماكن البغاء. و أشترى التاجر البقعة و بني هاشم بحر عليها المسجد و بعد مدة بعث الله له الوحي بشكل "حُمّى" فأوصى بأن يُدفن جسده تحت قبّة المسجد و لكن ذلك لم يكن ممكناً ما لم توافق سكرتارية المستعمرة على إعطاء الرخصة. فقام الوسطاء و ذهبوا يطالبون بالرخصة و لكن دون جدوى. فما كان من ولي الله الصالح إلا أن بعث بإنذار شفوي و هو على فراش الموت و هذا نصه: " قولوا للإنجليز إنني لن أموت إن شاء الله قبل الحصول على الرخصة". فأُعطيت له الرخصة لأن الإنجليز كانوا يحتاجون إلى ولي جديد في المدينة).

 

   و بالطبع فان إشارة الريحاني أعلاه إلى أماكن البغاء لم تكن إعتباطية أو على سبيل النكتة. فالواقع أن الإنجليز عندما خططوا تعمير الشيخ عثمان كان من أهدافهم إنشاء أماكن بغاء لجنودهم في المدينة، و بالفعل كانت المدينة محاطة تقريباً من جهاتها الأربع بشوارع خاصة لبائعات الهوى، و قد أُستُجلب معظمهن من الخارج خاصّة من سواحل أفريقيا. و قد بقي البغاء يُمارس رسمياً في المدينة حتى الخمسينات من هذا القرن.

 

   و في الحرب العالمية الأولى تعرّضت المدينة للهجوم التركي. فقد أستطاع علي سعيد باشا عام 1915م أن يحتل لحج و أنسحب الإنجليز من مدينة الشيخ عثمان. و قد قام أهالي المدينة بإعلان إستقلال المدينة و على رأسهم أحد فتوات المدينة المشهورين و أسمه (بنتيشه). و خلال تلك الأيام التي لم تكن توجد سُلطة في المدينة تعرّضت بعض الدكاكين للنهب و قُتل بعض التجّار. و قد جاء بعض السكان با لأتراك و بقوا  فيها بضعة أيام ثم أنسحبوا منها فعاد الإنجليز و أحتلوها.

 

   و من المؤسسات القديمة في الشيخ عثمان و التي كانت تجذب الناس من الأرياف و شمال اليمن مستشفى الإرسالية الذي كان يُعرف بإسم مستشفى (كيث فولكنر) و الذي تأسس في بداية هذا القرن. و قد أرتبط بالمستشفى قيام مدرسة فيه كان لها الفضل في تعليم الرعيل الأول من شباب الشيخ عثمان. و قد أصبح المستشفى يُعرف فيما بعد بمستشفى (عفارة) ، و كان عفارة أول طبيب يمني.

 

   كذلك فقد تأسست في الشيخ عثمان بعد الحرب العالمية الأولى مصابغ الثياب القطنية و أصبح قسم من المدينة خاصاً بذلك. و في حارة أخرى (حافة دُبع) كانت هناك صناعة الأنسجة القطنية اليمنية الشهيرة التي كانت زبيد و منطقة تهامة مشهورة بصناعتها و هي (البر ود اليمانية). و قد أنقرضت هذه الصناعات المحلية منذ الخمسينات و لا تزال بعض أعمال الصباغة باقية.

 

   و من القبائل الأخرى بجانب أهالي دُبـع التي سكنت الشيخ عثمان، أعداد كبيرة من (المقاطرة) من شمال اليمن، و أصحاب (لودر) المحافظة الثالثة، و (بيحان) الرابعة، و السبب في لجوء كثيرين من المقاطرة بعد حروبهم المشهورة مع الإمام يحيى في بداية العشرينات من هذا القرن أو في منتصف الثلاثينات بعد حركة حميد بن علي المقطري.

   

   و أزدادت أهمية الشيخ عثمان في بداية الثلاثينات عندما حُفرت الآبار الأرتوازية في بستان (الكمسري) و أصبحت هي التي تزود كل مناطق عدن بمياه الشرب. و في الجهة الشرقية من المدينة يُصنّع ياجور البناء (الطوب) و كل أنواع المدر و الفخار و الخزف و لهذا سميت هذه الجهة بالممدارة. كذلك فقد كان نوع من العرق يُصنّع في تلك المنطقة، و كان لليهود شوارع خاصة في الشيخ عثمان. و في إضطرابات عام 1947م قُتل منهم العشرات و هاجر الباقون إلى الأرض المحتلة و قد أُقيم معسكر خاص في غرب المدينة سمي بمعسكر حاشد لتهجير يهود اليمن من هناك بعد الحرب العالمية الثانية. و في الجهة الشرقية الجنوبية كانت توجد ثكنات جيش الليوي ـ الجيش اليمني المحلي ـ الذي أُسس بعد الحرب العالمية الأولى. كذلك كان أحد بساتين الضاحية الشرقية مقراً للحرسين الحكومي و القبلي عند إنشائهما في أواخر الثلاثينات. و في عام 1942م تمرد أهالي الشيخ عثمان في قضية عبد الله شرف و قُتل منهم كثيرون دفاعاً عنه.

 

     و في الخمسينات أُنشئ حوالي ألف مسكن صغير مكوّن من غرفة صغيرة و بهو صغير في الجهة الغربية في المدينة لإيواء الأعداد المتزايدة من السكان (حوافي اللبن)، كما تُرك للناس تعمير منطقة أخرى في الغرب خارج المدينة و التي عُرفت فيما بعد بمدينة القاهرة. و في إحصاء عام 1955م بلغ سكان المدينة (29879) نسمة.

أما عن تاريخ مدينة المنصورة   للمؤرخ سلطان ناجي، 1978م.. بُدئ العمل في بناء المنصورة في أواخر الخمسينات و أكتمل بناؤها في بداية الستينات حيث أُعلنت التسمية بقرار من المجلس التشريعي السابق لمستعمرة عدن في عام 1962م. و قد بُنيت المنصورة في المنطقة المعروفة سابقاً بحاشد أو بمعسكر حاشد، و هو معسكر مؤقت أُستخدم بعد الحرب العالمية الثانية لإستقبال اليهود من كل عموم اليمن و ذلك عندما تمت هجرتهم إلى فلسطين بواسطة الطائرات أو ما عُرف بعملية ( البساط السحري). 

 

   و يرتبط نشوء المنصورة بالأزمة السكنية الحادة التي واجهتها المستعمرة في أواخر الخمسينات و بداية الستينات و ذلك من جرّاء إزدياد السكان زيادة كبيرة بسبب عوامل كثيرة منها توسع القاعدة العسكرية في عدن و جعلها مركزاً للقوات البريطانية في الشرق الأوسط و أهم قاعدة بريطانية شرقي السويس. و قد سبق بناء المنصورة ـ و إن كان على نطاق أصغر ـ بناء (القلوعة) و القاهرة أو (منطقة ساعد نفسك) وذلك في بداية الخمسينات كحل جزئي لمشكلة زيادة السكان بعد إنشاء شركة المصافي البريطانية و توسع حركة الميناء كمكان للترانزيت للبلدان المجاورة كشرق أفريقيا و الحبشة و منطقة البحر الأحمر.

 

   و قد صادف قيام المنصورة بداية العمل بنظام السلف لموظفي الحكومة و بعض الشركات كمحاولة لحل الأزمة السكنية. لذا فإن كثيراً من بيوت المنصورة قد بُنيت للموظفين في أشكال مستقلة من طابق أو طابقين يحيط بكل واحدة منها حوشها الخاص بها، و توجد بجانب هذه البيوت الخاصة تلك البيوت العامة التي بُنيت للإيجار العام بشكل شقق.

 

   و في القسم الغربي من المنصورة أُقيمت ما تُسمى بالمنطقة الصناعية كأماكن لصناعة المرمر و مواد البناء أو الجاراجات و مصنع الكندا دراي و المستودعات.

 

   و قد ساعد بناء المنصورة على تخفيف هبوب الأترية (الغوبة) على الشيخ عثمان أيام الصيف. فقد أدى تعاظم هذه المشكلة في بداية الخمسينات إلى إقامة حزام أخضر من الأشجار غربي الشيخ عثمان لمنع هبوب الرياح على المدينة من ناحية المنصورة قبل بنائها و يوم كانت المنطقة لا تزال أكواماً من الرمال. و كان الحزام الأخضر هذا في البقعة التي شُيّد فيها مصنع الغزل و النسيج.

 

   و قد تم بناء أسواق للحوم و السمك و الخضروات للمنصورة بعد أن أكتمل بناء المساكن فيها. كذلك فقد أقيمت الحدائق العامة و شريط من التشجير جنوبها. و من المرافق العامة التي كانت تسبب الإزعاجات العامة للسكان هو إستمرار تفجر أنابيب المجاري و ذلك لأن المقاولين الذين تكفلوا بإنشاء شبكة المجاري عند إنشاء المدينة قبل الإستقلال لم يقيموها بموجب المواصفات الضرورية و ذلك بسبب الرشوات الكبيرة التي كان يُعطيها بعض المقاولين لبعض كبار المسئولين من أجل الحصول على العقود الكبيرة لتنفيذ مثل مشاريع المرافق العامة هذه و التلاعب بالأموال العامة.

 

   و من معالم المنصورة الهامّة سجن المنصورة و هو السجن السياسي المركزي الذي بناه الإنجليز إبان الكفاح المسلح لإعتقال الثوار فيه بعد إتمام عملية إستجوابهم و تعذيبهم في رأس مربط. و قد كان يوم السادس من أبريل 1967م، يوماً مشهوداً في تاريخ سجن المنصورة عندما جاءت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في الجنوب اليمني المحتل آنذاك. 

 

   ذهبت اللجنة في يومها الثالث في عدن لزيارة سجن المنصورة من أجل الإطلاع المباشر على حالة المعتقلين السياسيين فيه و قد حملتهم السيارات البريطانية المصفحة حوالي الساعة الخامسة من مساء ذلك اليوم. و ما أن دخلوا باب السجن حتى قابلهم المعتقلون بالتظاهر و الهتاف بحياة الثورة و سقوط الإستعمار. كما أن الثوار من خارج أسوار السجن و من فوق بيوت المنصورة القريبة بدأوا بشن معركة كبيرة ضد السجن و القوات البريطانية الكبيرة المحيطة مستخدمين جميع أنواع الأسلحة من مدافع و رشاشات و بنادق و قنابل. و حُوصرت البعثة داخل السجن إلى بعد العشاء. و في الأخير أضطرّت قوات الأمن البريطانية إلى أن تُهرّب أعضاء اللجنة و تعيدهم إلى فندقهم بطائرة الهليوكبتر و لم تسلم طائرة البعثة من رصاص الثوار و هي تولي الأدبار. و قد أُعيد بقية موظفي البعثة بواسطة العربات المصفحة. 

 

   و من أعنف معارك حرب التحرير في عدن و خاصة بعد هزيمة 5 يونيو 1967م. معارك الثوار ضد الدوريات البريطانية في المنصورة و كذلك ضد قواتها المتمركزة في المركز و نقاط التفتيش و أبراج المراقبة المحاطة بالأشباك السلكية لصد الصواريخ و قنابل (البلنسيد) هناك.

 

   و قد أراد الثوار إنتزاع المنصورة من الإنجليز. و أصبحت المسالة كما تشير إلى ذلك الوثائق البريطانية (عبارة عن حرب مكشوفة تستخدم فيها كافة الأسلحة من مسدسات و بنادق و صواريخ و مورترز و قنابل و ألغام على نطاق لم يعهد مثله من قبل في عدن. فلم تكن هناك مظاهرات أو تجمعات و إنما جولة ثانية مستميتة من قبلهم ـ يعنون الثوارـ لأخذ المنصورة).

 

   و في الإقتتال الأهلي الثاني في الفترة 3 ـ 6 نوفمبر 1967م، دارت أهم المعارك في المنصورة. ولشراسة المعارك التي دارت هناك و التي أُستخدمت فيها كافة الأسلحة بما في ذلك المصفحات، أضطر  معظم السكان إلى أن يهجروا مساكنهم، و لم يعودوا إليها إلا بعد إنتهاء الإقتتال الأهلي. و قد كانت كثير من بيوت المنصورة عبارة عن مخازن لأسلحة الثوار.

 

ويحيط الآن بالمنصورة من الناحية الجنوبية شريط من المساكن الشعبية و المدارس و المستشفيات و مصنع الغزل و النسيج في الجمهورية. و كل هذه المنشآت و المؤسسات قد تم بناؤها في السنوات الأخيرة القليلة فقط.

 

وحول تاريخ مدينة كريتر بقلم المؤرخ سلطان ناجي، 1976م .. مدينة كريتر هي مدينة عدن الأصلية التي وصفها الأقدمون و المحدثون. و تعود التسمية الجديدة إلى بداية الإحتلال البريطاني حيث سميت بهذا الإسم الأجنبي الذي يعني (فوهة البركان)، و ذلك لأن المدينة كانت في القديم موضعاً للبراكين. و قد كانت التسمية الأولى لكريتر بعد مجيء البريطانيين هي (أيدن كامب) بمعنى (معسكر عدن) لأن الوجود البريطاني و الحامية البريطانية كانت كلها في بداية أمرها داخل مدينة كريتر.

 

     كذلك الميناء فقد كان منذ قديم الأزمان في خليج صيرة و لم ينتقل إلى التواهي إلا بعد حوالي عشرين عاماً من الإحتلال.

 

     و من وصف الجغرافيين العرب في العصور الوسطى يظهر بوضوح أن مدينة عدن هي كريتر فقط. فالهمداني مثلاً يقول: (عدن جنوبية تهامية و هي أقدم أسواق العرب. و هي ساحل يحيط به جبل لم يكن فيه طريق ، فقطع الجبل بزبر الحديد فصار لها طريق إلى البر).

 

     أما أبن خلدون فيقول: (و يحيط بها من جهة شماليها على بعد جبل دائر إلى البحر ينثقب فيه من طرفيه ثقبان كالبابين .. و ليس لأهلها دخول و لا خروج إلا على هذين الثقبين).

 

     هذا و في الوصف و الصورة لمدينة عدن في كل من كتابي إبن المجاور و أبي مخرمة نجد أن المقصود بالمدينة هو مدينة كريتر فقط، فلا ذكر إلا لصيرة و جبل المنظر (جبل حقات) و جبل الأخضر (معاشق) و المعجلين.

 

     و في العصر الإسلامي قلما نجد كتاباً جغرافياً للرحالة العرب لا يذكر عدن و يصف أهميتها. فالبشاري يقول: (عدن بلد جليل، عامر، آهل، حصين، دهليز الصين، و فرضة اليمن، و خزانة المغرب، و معدن التجارات. كثير القصور، مبارك على من دخله، مثر لمن سكنه، مساجد حسان، و معايش واسعة، و أخلاق طاهرة و نعم ظاهرة).

 

     و يقول الأصطخري في مسالك الممالك: (عدن مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. و هذا الموضع هو مرفأ مراكب الهند. و التجار يجتمعون إليه، لأجل ذلك فإنها بلدة تجارية).

 

     و يصفها القلقشندي بأنها: (من تهائم اليمن و هي على ساحل البحر ذات حط و قلاع... و هي أعظم المراسي في اليمن و بها قلعة حصينة مبنية. و هي خزانة مال ملوك اليمن إلا أنه ليس بها زرع و لا ضرع، و هي فرضة اليمن و محط رحال التجارة. لم تزل بلد تجارة من زمن التبابعة و إلى  زمننا، عليها ترد المراكب الواصلة من الحجاز و السند و الهند و الصين و الحبشة و يختار أهل كل إقليم منها ما يحتاج إليه إقليمهم  من البضائع).

 

     أما صلاح الدين بن الحكيم فيقول: (المقيم بها في مكاسب و افرة و تجائر مربحة. و لحط المراكب عليها و أقلاعها مواسم مشهورة. فإذا أراد ناخوذة السفر بمركب إلى جهة من الجهات أقام فيها علماً برنك خاص فيعلم التجار بسفره .. و يقع الإهتمام بالرحيل و تسارع التجار في نقل أمتعتهم).

 

     و عن الحكيم صلاح الدين بن برهان: (أن المقيم بها يحتاج إلى كلفة في النفقات... و يحتاج المقيم بها إلى ماء يتبرد به في اليوم مرات في زمن قوة الحر). ثم قال: (و لكنهم لا يبالون بكثرة الكلف و لا بسوء المقام لكثرة الأموال النامية).

 

     و في الكتاب (صفة بلاد اليمن) لإبن المجاور المؤلف في مطلع القرن الثالث عشر صورة حية للحركة في ميناء عدن العظيم و كيف يستقبل سكان المدينة وصول المراكب إليها و ما هي أنواع البضائع التي ترد إلى الميناء و تفصيل العشور على كل سلعة من السلع، ثم يذكر تخريج عشور الشواني و يقصد بذلك أن الحكومة لكي تحافظ على الإزدهار التجاري في عدن كان لها أسطول من السفن الخاصة (الشواني) يقوم بحراسة السفن التجارية في مياه خليج عدن من غارات قراصنة البحر .

 

     ثم يشير إبن المجاور إلى قيام الوالي الأيوبي عثمان الزنجبيلي في بناء سور يفصل بين المدينة و خليج صيرة. و قد بني لذلك السور ستة أبواب منها باب الفرضة و آخر للدخول و الخروج ثم باب السكة لتمر السيول خلاله إلى البحر عند هطول الأمطار الغزيرة. كما أن الزنجبيلي قد زاد من فعاليات تحصينات المدينة من ناحية جبل حديد إلى سلسلة جبال المنصور و أقام القلاع على قمم الجبال و كذلك باب (حقات).

 

     و الحقيقة أن مثل تلك التحصينات القوية هي التي كانت السبب في صد الهجوم البرتغالي الكبير الذي قام به البوكيرك ضد الميناء عام 1513م. و من يشاهد اللوحة المحفوظة في المتحف البريطاني لهزيمة قوات البوكيرك البرتغالية أمام ميناء عدن كما رسمت حينها ليدهش من قوة التحصينات و القلاع و الأسوار الضخمة التي كادت أن تغطي جبال عدن و تحيط بالمدينة من ناحية البحر. كما أن هناك لوحة لجبل صيرة رسمت حوالي عام 1680م، بعد رحيل الأتراك و دخول المدينة ضمن السلطة المركزية في صنعاء و فيها يظهر أن كل جزيرة صيرة تقريباً كانت تحيط بها الأسوار و القلاع من أسفلها إلى قمتها.

 

     لقد بلغت عدن ذروتها الإقتصادية في العصور الوسيطة المتأخرة. فمنذ قيام الخلافة الفاطمية تحول ميزان السلطة السياسية من بغداد نحو القاهرة فكان أن أنتعش النشاط الإقتصادي لعدن و أصبحت من جديد همزة الوصل بين الشرق و الغرب في معظم المسائل التجارية و الإقتصادية خاصة عندما أصبحت عدن تدخل ضمن ولاء الفاطميين و نفوذهم أثناء قيام دولها الشيعية كالصليحيين و الزريعيين . ثم واصل الأيوبيون نفس الإهتمام بعدن عندما حكموا اليمن فأصبحت في أيامهم أكثر أماناً و تحصيناً من أي ميناء عربي آخر في الجزيرة العربية. و منذ إستقلال الرسوليين بها في بداية القرن الثالث عشر و حتى إنتهاء دولتهم في القرن الخامس عشر بلغت عدن ذروة إزدهارها و مجدها الإقتصادي. إلا انه بعد العقد الثاني من القرن الخامس عشر بدأت عدن تفقد تدريجياً ازدهارها و أهميتها الإقتصادية نتيجة المنافسة النشطة التي كان يقوم بها ميناء هرمز في الخليج العربي حيث أستطاع تدريجياً ذلك الميناء إمتصاص الجزء الأكبر من تجارتها العالمية. و لما جاء (الطاهريون) قضوا معظم فترة حكمهم الذي أستمر حتى منتصف القرن السادس عشر يتنافسون مع الموانئ المصرية المطلة على البحر الحمر و ميناء الشحر في حضرموت من أجل السيطرة على تجارة البحر الأحمر و المحيط الهندي .. و مع ذلك فقد كانت عدن عام 1460م مثلاً لا تزال تعتبر ميناءاً عظيماً و حصيناً و يتراوح سكانها بين 50.000 – 60.000 نسمة و يوجد فيها خليط  من التجار المصريين و السوريين و المغاربة و اليهود و الهنود. و في القرن السادس عشر، أي بداية العصور الحديثة، أصبحت عدن الضحية الكبرى للصراع البرتغالي/المملوكي، ثم البرتغالي/العثماني فيما بعد في مياه المحيط الهندي و بحر العرب و البحر الأحمر. و عندما فرض العثمانيون سيطرتهم على اليمن في الفترة ما بين 1538م – 1835م حولوا عدن إلى قلعة عسكرية للقسم الجنوبي من اليمن و ساعدوا على إنحطاطها و أصبح الميناء الرئيسي و المزدهر هو المخا. و كان السبب الثاني الهام الذي قضى على عدن بعد الصراع العسكري البرتغالي/العثماني هو نمو الإتجار (بالبن اليمني) بدلاً من البهارات الشرقية التي كانت تجارة الترانزيت من أسباب ازدهار عدن.

 

     لقد أصبحت تجارة البن ـ عبر ميناء المخا ـ هي الأساس الإقتصادي الجديد و بمثابة ثورة تجارية غيرت جذرياً العلاقات التجارية بين الشرق و حوض المتوسط بعد القرن السادس عشر. و هكذا أستمرت عدن في التدهور الإقتصادي أثناء و بعد طرد العثمانيين. 

 

     و ها هو (جون جوردين) أحد بحارة أول سفينة إنجليزية تزور الميناء عام 1609م ، يخبرنا بأن عدن لم تكن في ذلك الوقت (سوى مدينة مزعجة لا يرتاح إلى سكناها، إذ ما من خضار تنبت بين أسوارها و ليس لسكانها إلا التمتع بمرأى صخورها القاحلة، و منازلها المهدمة. و ليس بها مياه عذبة بل آبار ذات مياه مالحة).

 

     و يقول جوردين إن الميناءين الكبيرين آنذاك هما (المخا) و (جدة) أما عدن ففي تأخر تجاري لا تأتيها في السنة سوى سفينتين أو ثلاث من بلاد الهند و الخليج العربي. أما حاكم المدينة فكان شاباً يوناني الأصل أعتنق الإسلام، و على شاكلته جميع الأتراك من ذوي المناصب الهامة في هذا البلد.

 

     و الكل عبيد للباشا، و لا يتجاوز أفراد الحامية في المدينة و الحصون معاً الثلاثمائة جندي، لكنهم رغم ذلك قد ملأوا أفئدة الأهلين رعباً بحيث لا يجرؤ أحد على النظر إلى وجه تركي).

 

     لكن هذه الصورة القاتمة التي رسمها لنا جوردين للمدينة سرعان ما تتغير، فقد أستطاع اليمنيون طرد الأتراك و أصبحت البلاد بعد طرد الأتراك كلها خاضعة لحكم حكومة مركزية قوية. و قد كان لإستتباب الأمن و الهدوء تأثيره على حياة البلاد التجارية فقد أنتعشت التجارة الخارجية مع أوربا لاسيما تلك التي تخص تجارة البن.

 

    و ها نحن نرى (لاروك) الرحالة الفرنسي الذي زار عدن في بداية القرن الثامن عشر يصفها بأنها (تبدو كبيرة للناظرين. فهناك البيوت الجميلة العالية ذات السطوح الواسعة). و مما لفت نظر هذا السائح الفرنسي وجود تلك المسابح الكثيرة الفخمة و المبلطة تبليطاً حسناً في المدينة. و قد كان لتلك المسابح قباب مزخرفة ذات شقوق مستديرة لإدخال ضوء الشمس. و قد كان يوجد في كل منها شرفة تطل عل أحواض السباحة حيث يجلس عليها المتفرجون و السباحون على السواء. 

 

     بعد إنفصال عدن عن السلطة المركزية في مطلع القرن الثامن عشر و تبعيتها لسلطان لحج بدا الخراب يحل في المدينة تدريجيا. فعندما زارها (هنري سولت) عام 1809م لم يجد من بناياتها الأثرية سوى بقايا صهاريج الطويلة.

 

     و عندما زارها (ولستد) عام 1835م قال إنه لم يبق من آثار المدينة إلا بضع منائر و حوالي مئة بيت و بعض من بقايا أسوارها المهدمة و أما بقية المدينة فعبارة عن قبور و أكوام من الحجارة و التراب و بقايا بنايات قديمة دون سقوف، ثم يضيف بان سكان كريتر حينذاك كانوا حوالي (600) من الذكور يعيشون في المدينة الخراب التي لم تزد عن أكثر من قرية للصيادين. و كان حوالي نصف أولئك السكان من العرب (اليمنيين) و الباقي من اليهود و الصومال و البانيان. و كان معظم السكان يعيشون في عشش من سعف النخيل. و كانت أحسن البيوت يسكنها (البانيان) الذين كانوا يسيطرون على التجارة.

 

     و لكن برغم هذا الخراب الواضح الذي حل بعدن قبل مجيء البريطانيين، فقد كانوا مهتمين بها كثيراً و يعرفون تماماً أهميتها الإستراتيجية و الإقتصادية. فقد كتب (هينس) إلى حكومته قبل الإحتلال بقليل شارحاً أهمية الميناء بقوله: (إن هذا المرفأ العظيم يمتلك من القدرات و الإمكانيات ما لا يملكه ميناء أخر في الجزيرة العربية . إن ازدهاره لا شك و أن يقضي على ميناء المخا و بقية موانئ البحر الأحمر فهو يحتل مركزاً تجارياً ممتازاً لا شك انه أنسب الموانئ الموجودة لمواصلات الإمبراطورية عبر البحر الأحمر. و هو في وضعه الحالي صالح لإستقبال البواخر و تموينها في كل فصول السنة). 

 

     كما أن حاكم بومباي أكد لحكومته على أهمية الميناء بقوله عام 1838م ما يلي: (إن عدن بالنسبة لنا لا تقدر بثمن. فهي تصلح كمخزن للفحم طيلة فصول السنة و يمكن أن تكون ملتقى عاماً للسفن المستخدمة طريق البحر الأحمر و قاعدة عسكرية قوية بواسطتها يمكننا ان نحمي و نستفيد من تجارة الخليج العربي و البحر الأحمر و الساحل المصري المحاذي الغني بمنتوجاته. و عدن كجبل طارق متى ما أصبحت في أيدينا ستكون صعبة المنال من البر و البحر). و هكذا تم إحتلال عدن من أجل منع أية قوى أخرى من السيطرة على منطقة إستراتيجية حيوية مثلها.

 

     إن تصميم بيوت كريتر و شوارعها بشكلها الحالي يعود إلى ما بعد الإحتلال، و قد غلب عليها (الطابع الهندي) في كل شيء بسبب إرتباطها طيلة المئة عام الأولى بالهند. كما أن ترميم و إصلاح الأسوار المحيطة بجبال كريتر أو صهاريج الطويلة يعود إلى ما بعد الإحتلال أيضا. فقد بقيت (كريتر) هي المدينة الأصلية و الوحيدة طيلة العشرين سنة الأولى تقريباً التي هي تحت السلطة المباشرة للحكم البريطاني، لذا فقد كانت كريتر هي مركز إدارة حكومة المستعمرة و كذلك مقرّ حاميتها العسكرية و الميناء الرئيسي. لذا كانت تسميها (بايدن كامب) أو معسكر عدن. و كانت البنايات التي تضم إعدادية كريتر في الخليج الأمامي هي معسكرات للجنود، و لذا كان تسميتها  (بالريجمينت) أي المعسكر، كما أن بناية المركز اليمني للأبحاث الثقافية حالياً هي من أولى البنايات التي شيدت في المدينة لتكون كنيسة للجالية المسيحية من جيش الإحتلال و الأجانب.

 

     و في عهد المقيم البريطاني الأول أرتفع عدد سكان كريتر من حوالي ألف نسمة إلى حوالي عشرين ألف نسمة في أخر أيامه عام 1854م، و كانوا موزعين على الشكل الآتي: 4812 من السكان اليمنيين ، 2896 من الصومال، 1114من اليهود، 8563 من الهنود ، 791 من الأوربيين، 2452 من الآخرين و الباقي من العسكريين، لقد كان السكان اليمنيون يكونون أقلية. فعلى الرغم من هجرة الفنيين و أصحاب الحرف و التجار من المخا إلى عدن بعد تدهور الميناء الأول. فقد كان معظم سكان كريتر يستجلبون من الهند. لذا فقد أصبحت عدن هندية أكثر منها عربية. ففي عام 1849م أنخفض السكان اليمنيون إلى أقل من النصف بينما زاد الهنود أكثر من ضعفين و أصبحوا يكونون 40% من سكان المدينة، و كانت أكبر الجاليات الأخرى: اليهودية و الصومالية.

 

     في بداية الإحتلال البريطاني أصبح نشاط المجتمع التجاري في كريتر كله موجهاً و مجنداً لخدمة الحامية العسكرية البريطانية. فمعظم الأنشطة الإقتصادية كانت تدور حول تنفيذ المقاولات لتزويد الحامية بحاجاتها من مؤن أو أغذية أو خدمات أو الأعمال الحكومية كبناء التحصينات و غيرها. و كان أهم الإنشاءات التي بُدئ العمل بها هي مشروع المياه في (الشيخ عثمان) و حملها بواسطة قناة طولها ستة أميال إلى قرب جبل حديد و من هناك إلى مدينة (كريتر). فقبل تنفيذ هذا المشروع كانت مشكلة مياه المستعمرة هي القضية الكبرى، و كانت المياه توزع على الأهالي بالبطاقة. 

و في أواخر القرن التاسع عشر و بداية العشرين أدى توسع التجارة بعد أن أصبحت عدن المركز الرئيسي في الطريق بين الشرق و الغرب إلى خلق الفرص الكثيرة للعمل. و كان المميز للنشاط التجاري في عدن هو وجود السماسرة و الدلالين الكثيرين في كل الأنشطة التجارية تقريباً و كانت تأتي على قمة النشاط التجاري في كريتر الشركات الأجنبية من إنجليزية و أمريكية و ألمانية و فرنسية و إيطالية و هندية كلها مرتبطة بشركاتها الرئيسية في أوربا و الولايات المتحدة و بومباي. و تحت هذه الشركات الأجنبية كانت تأتي فئة التجار الهنود و العرب. و معظم العرب و اليمنيين كانوا يتعاملون بتجارة البن و لكن بواسطة تلك الشركات الأجنبية التي كانت هي التي تتحكم في تسويقه. في حرب التحرير كانت كريتر هي أول من تسقط بأيدي الثوار و تبقى تحت سيطرتهم مدة أسبوعين كاملين بعد حوادث 20 يونيو 1967م.