رحلة إلى أعالي وادي نحب

رحلة إلى أعالي وادي نحب

قصة رحلة جميلة إلى أعالي وادي نحب لمقابلة المقدم سعد بن حبريش حيث تحصن آباؤه وأجداده من قصف الطيران الحربي البريطاني 



 

بعد تشكيل الحلف مباشرة في يوليو 2013م ودخول شهر رمضان تحصن المقدم سعد بن حبريش ومجموعة من رجاله في أعالي وادي نحب تحسباً لما قد يستهدفه في ظل الغفوة وسكون الناس في شهر رمضان الفضيل ، وقد تحصن في مكان يسمى (ذمامي) سبق أن تحصن فيه آباؤه وأجداده عندما قصفهم الطيران الحربي البريطاني في بداية ستينيات القرن الماضي .

مكث سعد في ذمامي طيلة شهر رمضان .. وفي22 منه الموافق 2 أغسطس 2013م طلب مني المجئ إليه وأرسل من يقلني بسيارته وهو سالم بن هاديه العليي .. تحركت بمعيته من مدينة الشحر في العاشرة من صباح اليوم الثاني وقد احتطنا لأنفسنا ببضع حبات من الفاكهة المنوعة وقليل من التمر وعدد من علب الماء حتى إذا أدركنا وقت الإفطار ونحن في الطريق .. سلكنا طريق وادي عرف ثم اتجهنا غرباً إلى وادي العرشة شاقين مسياله طولاً الذي تقع في نهايته العقبة الموصلة إلى الهضبة وهي العقبة التي شقتها شركة سي سي سي CCC أثناء مدها لأنبوب النفط الموصل من حقول المسيلة بغيل بن يمين إلى ميناء الضبة بالشحر .. حيث تم إنزاله في البداية من أعلى عقبة العرشة إلى قعر واديها مرورا بمسيالها ومساييل وادي عرف قبل تحويل مساره - أي الأنبوب - من قبل شركة نكسن إلى المرتفعات الجبلية المقابلة لرأس وادي العرشة جنوباً بعد أن جرفته السيول المتدفقة من أودية عرف لعدة مرات .. وبعد تحويل مسار الأنبوب بعيدأً عن بطون الأودية لم تعد عقبة العرشة ذات أهمية لشركة نكسن وتم إهمالها وتغيرت كثير من ملامحها نتيجة هطول الأمطار وقلة مرور السيارات فيها إلا فيما ندر لصعوبة منحدراتها الترابية وحِدّة بعض منعطفاتها التي لاتستطيع طلوعها إلا السيارات الصغيرة ذوات الدفع الرباعي ، وبعد أن بلغنا بسيارتنا أعلاها وجدنا خيمة صغيرة تتناوب فيها مجموعات صغيرة من الحراس المدنيين من سكان المناطق المجاورة يتقاضون رواتبهم اليسيرة من قوة حماية الشركات نظير مهمتهم تسجيل أسماء سائقي السيارات العابرة على تلك الطريق لدواعي أمنية لمعرفتهم بأهل الأرض .. توقفنا برهة للتسجيل ومن ثم سلكنا الطريق الترابي الوحيد المحاذي لخط أنبوب النفط قاطعين بسيارتنا أعالي وادي عبول وسهول (الغلاغيل) وقد اكتست بحلة خضراء من أثر الأمطار الغزيرة التي هطلت عليها قبل شهر رمضان فتشكلت فيها مناظر خلابة تأسر الألباب لاخضرارها وتنوع أشجارها .. والغلاغيل هي السهول التي تغنى بها الشاعر المحضار في قصيدته الشهيرة (مول شوعة وقب) التي قال في مطلعها . 

مول شوعه وقب

ما توطى من مكانه غلب

بالغلاغيل عامد له عليها موارد

ما تعزه بقوعه مول شوعه

إلى آخرها .

والتي قصد بها الشاعر المحضار كما تؤكده الروايات مآثر أحد مشاهير رجال الحموم من قبيلة بيت غراب هو علي بن سالم الغرابي أحد الشخصيات الحضرمية الذي بعد تخرجه من إحدى الجامعات السودانية عمل في سكرتارية السلطنة القعيطية كأحد الكوادر الحضرمية الهامة في تلك الحقبة وكان من المؤسسين للنقابات والجمعيات المهنية في حضرموت في عهد السلطنة القعيطية .. نشط بعد العام 1967م كناشط سياسي وكاتب تميز بمقالات لاذعة لنظام الجبهة القومية في الصحف الحضرمية آنذاك الطليعة والجماهير اللتين كانتا تصدران في تلك الفترة مما أغاض نظام الرفاق في الجبهة القومية وفي بداية سبعينيات القرن الماضي أرسلت عناصرها الإجرامية لمطاردته والتخلص منه وفي إحدى المرات تم استدراجه لقرية حلفون بالديس الشرقية في واقعة دموية غادرة قُتل فيها مجموعة من رجال بيت غراب وقُتل مساعد مأمور الديس الشرقية آنذاك محمد ناصر السباعي الذي كان الضحية التي قدمها الرفاق على أساس التفاوض مع بيت غراب وبالذات مع علي الغرابي الذي أصيب إصابات بليغة في رجليه اثر الهجوم الغادر وتم نقله من قبل أقاربه إلى أعالي جبال الحموم لمعالجته حيث لا يستطيعون الوصول إليه، وقد قيلت فيه الكثير من القصائد الشعرية لكبار شعراء حضرموت تصف شخصيته ومآثره وماجرى له من مطاردات للإيقاع به .

تذكرت قصة ذلك الرجل الثائر عند مرورنا بمنطقة الغلاغيل التي ذكرها الشاعر المحضار في قصيدته تلك . 

 

وصلنا غيل بن يمين قبيل مغرب ذلك اليوم .. وفيها تناولنا الإفطار والعشاء ومن ثم اتجهنا أنا ورفيقي بن هادية شرقاً معتلين الهضبة المحاذية لوادي نحب من الجهة الشمالية عبر طريق شاق اختفت بعض ملامحه نتيجة تدفق مياه الأمطار الغزيرة التي جرفت التربة في معظم المنحدرات الصغيرة الموصلة بين الروابي مخلفة أخاديد عميقة تعيق مرور السيارات غير أنه قد تم ردم أجزاء منها من قبل من مروا قبلنا .

حرص رفيقي بن هادية من مرور عجلات سيارته فوق آثار عجلات السيارات التي سبقتنا خوفاً من جنوح سيارته في أحدى تلك الأخاديد ، وبعد أن تجاوزناها بصعوبة واصلنا سيرنا عبر منبسط من الأرض وبالقرب من المكان الذي يمكث فيه المقدم سعد تعرضت إحدى إطارات سيارتنا للعطب بسبب الأحجار المدببة على جانبي تلك الطريق المهجورة فتواصلنا هاتفياً بعد عناء ومشقة معه نظراً لعدم انتظام التغطية في تلك الفيافي فأرسل سيارة لاندكروزر شاص مشابهة لسيارتنا بها شخصين أحدهما أبنه قحطان لمساعدتنا .. وبعد اصلاحها نزلنا بسيارتنا منحدر صغير متعرج يتراءى أسفله المكان حيث يمكث المقدم سعد .. كانت الساعة تشير إلى العاشرة مساءً عندما استقبلنا هو ومن كان بالمكان ، جلست أنا وهو بجانب سيارته على ضوء مصباح صغير يعمل على بطارية سيارته وقد التفت حوله مجاميع من الحشرات الطائرة ويكاد هو المصباح الوحيد المضئ في تلك القفار المظلمة ، كان سعيد وهو الإبن الأصغر للمقدم سعد غارقا في نومه تحت سيارة أبيه بينما كان قحطان الذي يكبره سناً جالساً مع بقية ربعه المرافقين لوالده ، اطلعت سعد على الوثائق التي جلبتها له من نسخ الرسائل التي ارسلناها للسلطات والجهات الإقليمية والدولية وللشركات النفطية العاملة في حضرموت وتصريح الحلف بتهنئة أبناء حضرموت بشهر رمضان الفضيل مذيل بإسمه بصفته رئيساً للحلف ب