"الهويات القاتلة" إذ تجتاح الشرق الأوسط … هل من مفرٍّ؟

"الهويات القاتلة" إذ تجتاح الشرق الأوسط … هل من مفرٍّ؟

أقتبس عنوان مقالتي هذا من كتاب مشهور للمفكر اللبناني أمين معلوف، نظراً لتوافقه مع ما آلت إليه أوضاع العرب في ظل صعود خطاب التطرّف وتراجع خطاب العقل. ولعل ظاهرة تضخم الذات العربية الجمعية ونرجسيتها، والمتمثلة في رفض الآخر على أساس الدين والمذهب ومخالفة الرأي، تكاد تعصف بما تبقى من وجودنا في التاريخ المعاصر. لقد أفرزت "مركزية الذات العربية" سيكولوجيا الكراهية التي تكاد أن تفتك بمجتمعاتنا العربية.                                                                                                           



وعلى الرغم  من كثرة النصوص الدينية والتراثية التي نبّهت إلى فضيلة الاختلاف وسُنّتها، فنحن ما زلنا نرددها بالقول من على منابرنا للوعظ و"الفذلكة"، أما على صعيد الممارسة والتطبيق على مسرح مجتمعاتنا، فإننا نغتال هذه النصوص، ونلوي أعناقها لنبرر ما نمارسه من تمييز ديني وطائفي وعرقي وفق سيكولوجية العنف التي تتحكم بعقلنا الجمعي تجاه الآخر المختلف؛ ونضرب صفحاً عن مضمون النصوص الدينية السامية والداعية إلى قيم التعايش والتسامح واحترام الاختلاف، عملاً بقوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا".

وباعتقادي أن أسّ المشكلة يكمن في بنية ثقافتنا التي تكوّنت عبر مئات السنين، ورسّخت بعض أفكارها ومفاهيمها، عند فئات واسعة، شعوراً زائفاً بالاستعلاء العرقي أو الديني أو المذهبي، فما عدنا نرى في الآخر، أياً كان، إلا عدواً محتملاً ينبغي الحذر منه ما أمكن، والانقضاض عليه كلما سنحت الفرصة، حتى لو كان هذا الآخر شريكاً لنا في الدين أو الوطن.

 

الإنسان ذو البعد الواحد

 

 

يصبح مصير أي مجتمع خارج التاريخ، إذا سيطر على عقله وهم امتلاك الحقيقة المطلقة الناجزة، خصوصاً في مجال الاعتقاد أو منظومة القيم، ثم سرعان ما يتوسع هذا الوهم الزائف ليشمل كل مجالات الحياة. أما أبرز تجليات هذا الوهم في سلوك مجتمعاتنا اليوم فتظهر في حالة "حرب الكل ضد الكل"، وغياب مفهوم التعايش الخلاق والمنتج، وانحسار مساحة قبول الآخر المختلف، وهذا للأسف حال كثير من مجتمعات الشرق الأوسط على امتداد رقعته، حيث تتصدر العصبيات القاتلة، على اختلاف أنواعها، المشهد السياسي والاجتماعي كله، وكأن الناس في هذه المنطقة باتوا مسلوبي الإرادة تحت تأثير تنويم مغناطيسي يقودهم إلى حتفهم وهم مذعنون.

 

 

وفي الحقيقة، فإن ادّعاء التفوق أو الأفضلية العرقية أو الدينية على الآخر المختلف عنّا، أو المختلف معنا، ليس سوى تضخم مرضي للذات، كما أن واقع المجتمعات الشرق أوسطية اليوم ينبئنا بشدة استفحال المرض، وبالحجم الرهيب للعطب السيكولوجي الذي أصاب أرواح وعقول فئة كبيرة من أبناء جلدتنا، فباتت تعاني من عصاب جماعي اسمه "متلازمة التفوّق الكاذب".  

 

وبرغم أسفي الشديد لهذه الحال، فإن ما يدفعني إلى تبني هذا التشخيص الشديد القسوة في حق السواد الأعظم من مجتمعاتنا، هو فداحة الآثار التي ترتّبت على هذا المرض العضال الذي أوصل أفراد المجتمع إلى ما يسمى بـ"الإنسان ذي البعد الواحد" الذي لا يرى الحقائق إلا بعين واحدة، ومن جهة واحدة، فيشي حاله بمقدار فقر وضحالة المخزون الثقافي الذي ينهل من معينه.   

   

زمن الردّة

 

 

يا لها من مفارقة عجيبة يجدها المتأمل في حال مجتمعات الشرق الأوسط الغارقة في متاهات صراع الهويات وسراديبها المظلمة، تتمثل هذه المفارقة في أن كل شعوب العالم تراكم تجاربها جيلاً بعد جيل، وتبني خبراتها لبنة فوق أخرى، حتى تُتم صقل الهوية الحضارية التي تميزها. أما نحن العرب، فبرغم أن تاريخنا الحديث بدأ بعصر "النهضة العربية" الذي انطلق أواخر القرن التاسع عشر على يد رواد ملهمين نادوا بتجديد مختلف شؤوننا الحياتية وتطويرها، وبعد مرور أكثر من مئة عام على أطروحاتهم العظيمة والمهمة التي شملت السياسة والفكر والدين، ما زالت شعوبنا تصرّ على الرجوع خطوتين إلى الوراء في مقابل كل خطوة متقدمة الى الأمام، بمعنى أننا ننسف في كل مرة ما سبق وأحرزه أسلافنا من تقدم. وهكذا مرة بعد أخرى، نعود القهقرى حتى نكصنا إلى مرحلة ما قبل عصر النهضة الحديثة، ذلك لأننا لم نتقن مهارة البناء على ما تمّ تأسيسه من قبل، حتى صدقت فينا الآية الكريمة التي تقول: "كلما دخلت أمة لعنت أختها"!

                           

ما العمل    

 

ناقش مفكرونا من الاتجاهات والمشارب كافة مواطن الخلل التي نعاني منها اليوم، وقدّموا خلاصة طروحاتهم ومشاريعهم الفكرية القيّمة لأجل الإصلاح، على مدار المئة عام الأخيرة. لكن مجتمعاتنا، للأسف الشديد، ضربت بهذه الجهود عرض الحائط، أو في أفضل الحالات وضعتها على الرفّ حتى أصاب أغلبَ مثقفينا اليأسُ والقنوطُ من إمكانية النهوض والتغيير.

 

وأعتقد أنه بات لزاماً علينا، اليوم قبل الغد، أن نغيّر ثقافتنا الموغلة في نفي الآخر وإقصائه، ونستبدل بها ثقافة أخرى مضادة نحصّن بها عقول مجتمعاتنا ونزيل عنها ما ترسّخ فيها من وهم وضلال. ولحسن الحظ أن شعوبنا ما زالت تملك الكثير من نقاط القوة التي أثبتت جدواها في  المجتمعات كافة التي عاشت تجربتنا نفسها، كما أن لدى مفكرينا وفلاسفتنا آراءً وطروحات رائدة ومستنيرة، يمكن أن تشكل بلسماً شافياً، أو مصلاً قوياً سيفيدنا في حقن ثقافتنا وتقوية مناعتها ضد كل وهم أو تجهيل، لنصبح قادرين على علاج منظومة البؤس الفكرية التي استوطنت لاوعينا وسيطرت عليه.

 

 

لذلك، فإن تعزيز ثقافة الاختلاف وقبول الآخر في المجالات كافة سيفضي إلى شفاء كثيرين من أبناء مجتمعنا، ليصبحوا قادرين على إدراك أن الطريق الصحيحة إلى الله لا بد أن تمر من خلال خلقه، فـ"الخلق كلهم عيال الله وأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله"، ولا فضل لإنسان على آخر إلا بمقدار ما يقدمه من  منفعة للناس والمجتمع.

 

أما إنْ بقي خطاب الكراهية مهيمناً على المشهد العام لدينا، فإن ذلك سيكون عاملاً لتمزّق المجتمع وتشظيه، إذ ستأكل العصبيات بما تملكه من ترسانة تحريضية هائلة، وخطاب ديماغوجي بدائي، أبناءها وتدمّر مجتمعاتها بسبب نزعتها الهوياتية القاتلة.

 

وبرغم ذلك كله، وبرغم هَول السوداوية القاتمة التي تطغى على مشهد شرقنا الأوسطي، فما زلت منحازاً لأولئك المتمسكين بالتفاؤل، الذين لا ييأسون من إمكانية حدوث التغيير وتبدّل الأحوال، فالثبات ليس إلا لحظة طارئة، بينما الصيرورة هي القانون العام الناظم الذي يحكم الطبيعة والمجتمعات، بل إن التغيّر الدائم هو سنّة الله الفاعلة التي تكاد تكون الثابت الوحيد في الفرد والمجتمع والتاريخ والكون كله.                   

نقلاً عن النهار العربي