في "الفرقة الناجية"... أصولها ودلالاتها

 في "الفرقة الناجية"... أصولها ودلالاتها

 



ماذا لو افترضنا جدلاً بأن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قد نظر اليوم في أحوال الإسلام والمسلمين.. فهل سيرى واقعنا الحالي بعين الرضى أم بعين الأب الغاضب من أبنائه وأحفاده؟ وبأي حجج سنناقش أمامه وضعنا العربي- الإسلامي المتردي، وبالأخص فُرقتنا الإسلامية وفِرقنا المذهبية؟

 

إنه سؤال مشروع لأي غيور على الثقافة والتاريخ والجغرافيا العربية- والإسلامية والإنسانية أيضاً، فهل نحن نتبع فعلاً مضمون الرسالة المحمدية، أم نكتفي بظاهرها فقط؟ وإلا لماذا انقسم الإسلام إلى كل تلك الملل والنحل والشيع والطوائف؟

 

ديانات العالم

إن الأيديولوجيات، كما يفهمها فرانسوا شاتليه، هي اختراعات صِيغت في سياق مادي وروحي، وقد نشأت في مجتمعات تتصف بالسلطة المركزية، أي سيطرة فئة قليلة من البشر على الفئة الكثيرة، كما أنها، أي الأيديولوجيا، انتقلت باللغة، قولاً أو كتابة، ما يعني وجود نوع من التلازم بين السيطرة السياسية والكتابة.

فالأديان القديمة تحددت وفق متلازمتي السلطة والكتابة، فكانت نتاجاً محلياً لثقافات أقرب إلى الانغلاق على نفسها، اتخذ كثير منها من الحاكم إلهاً. ولا يزال هذا التلازم بين الأيديولوجيا والسلطة عُرفاً متبعاً إلى يومنا هذا.

 

 

 ومع الصيرورة التاريخية وبلوغ الحضارة، حلّ الإله الواحد مكان الآلهة المتعددة والحكام بأمرهم، وطغى التوحيد على الأديان السماوية من اليهودية إلى المسيحية فالإسلام. وجاء القرآن شريعة ذات توجه عام عابر للقوميات، وهي فكرة جوهرية ذات دلالات واسعة، سنأتي على ذكرها فيما بعد.

 

أنا الشرق... أنا الغرب

يتطلب فهم الصراع الديني فهماً جوهرياً للعوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المختلفة، بل يمكن القول إنه يكاد يكون مرآة هامة من مرايا الفهم الحضاري لتطور الشعوب، وهو فهم يمكن تعميم نتائجه على تاريخ الصراع المسيحي الإسلامي في حوض المتوسط تحديداً، من الأندلس إلى البلقان مروراً بالقدس وفلسطين.

 

 

كان الطرفان من أتباع الديانات التوحيدية، المسيحية والإسلامية، ويعبدان رباً واحداً، لكن "أنا" الصراع بين الشرق من جهة والغرب من جهة أخرى، لم تكن لتتحرك من دون ثوبها الديني المطرز، فكانت راية المسيحيين الزرقاء مقابل راية المسلمين الخضراء.

 

الفرقة الناجية

الاختلاف بين العالمين المسيحي والمسلم، "مفهوم" نظراً للتباينات الكبيرة بينهما. لكن ما مبرر الاختلاف، أو لنقل الصراع، الإسلامي -الإسلامي؟

ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هي يا رسول الله، قال: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» وفي بعض الروايات «هي الجماعة».

 

 

يتبين من هذا الحديث النبوي أن الرسول صلى الله عليه وسلم، قد تنبأ بتردي حال الإسلام والمسلمين. وكإجابة عن سؤالنا السابق في المقدمة، فإن الله قد ألهم نبيه الكريم الحال الذي ستؤول إليه الأمة الإسلامية من تفرّق. إلا أن الإشكالية هنا تكمن في اعتبار كل فرقة لنفسها بأنها الفرقة الناجية، ما يزيد المسألة تعقيداً ويطرح مجموعة من الأسئلة، أهمها: هل الفرقة الناجية جماعة كاملة أم أفراد؟ بمعنى آخر، هل الفرقة المذكورة تدخل الجنة بأفرادها مجتمعين، أم أنها مؤلفة من أهل الحق الذين ينتمون إلى الفرق الـ73 كاملة؟ ففي جواب الرسول عليه الصلاة أنه يقول: «من كان (أي للمفرد) على مثل ما أنا عليه وأصحابي»، ولو قصد فرقة بأكملها لقال: "من كانت (للفرقة)".. وبالتالي فنحن لن ندرك المقصود بالمعنى، وهو أمر لا يمكن لأحد أن يدعيه.

 

 

وبالعودة إلى ما سبق ذكره حول فكرة أن القرآن شريعة ذات توجه عام عابر للقوميات، فبأي فرقة يمكن أن نضع ذاك المسيحي أو البوذي أو الملحد، الذي ينتمي إلى ثقافة ولغة تتمايز جوهرياً عن ثقافة الإسلام ولغة قرآنه، إذا قرر انطلاقاً من قناعته الخاصة أن يعتنق الإسلام؟ ماذا لو اعتنقه على يد واحدة من الفرق الـ72 الأخرى، غير الفرقة الناجية، هل سيكون مصيره النار؟ وهل يدخل أحد الجنة لأنه ولد لأسرة اتبّعت الفرقة الناجية حتى لو كان من أهل الشر وإلحاق الضرر بالناس؟

 

 

إن إيماننا الوهمي، حتى إذا صدق، بأننا من الفرقة الناجية لا يبرر مطلقاً حالة العداء لشركاء الدين أو الإنسانية، خاصة وأن النبي الكريم قد أرشدنا لطريق النجاة: «من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي». ولا شك أن فهم سلوك الرسول وأصحابه ورسالة الإسلام في جوهرها، كفيل بجعل الفرد من أهل "الفرقة الناجية"، أياً كان مذهبه أو طائفته، فمعرفة الخير وتمييزه عن الشر حالة فطرية لا تحتاج لأكثر من الصقل والتسامح مع أنفسنا أولاً ومع الآخر ثانياً، حتى ترشدنا الى طريق الخلاص، ويكون ذلك بالرحمة مع الآخر والإيمان بقصور الذات الإنسانية وعجزها أمام كمال الباري عزّ وجلّ. وعليه فإن طريق النجاة يكمن، برأينا، في فتح صندوق العقل المغلق، وإتباع الفطرة السليمة، لأن طريق "إستقالة العقل" غير محمود.. حتى وإن آمنا بأننا من أهل الفرقة الناجية.

 

استقالة العقل العربي

رأى جورج طرابيشي أن الإشكالية في مشروع محمد عابد الجابري تكمن  في اعتباره العوامل الخارجية مسؤولة عن استقالة العقل العربي، بينما اعتقد هو بأن أسباب الاستقالة تلك تعود إلى العامل الأيديولوجي ودوره في قتل الترجمة منذ العصر العباسي. هكذا لم يكن "الآخر"،  برأي طرابيشي، هو المسؤول عن استقالة العقل العربي الإسلامي الذي يُترجَم بقدر ما كان العقل العربي الإسلامي نفسه مسؤولاً عنها.

 

 

باعتقادنا، ان الجدل والحوار القائم لا يفسدان للود قضية، فمشكلة المفكرين العرب ليست في تعارضهم الفكري، بل في الرفض الذي يقابلهم به المتطرفون العرب، حكاماً كانوا أم متدينين، والتي أنهت حياة كثير منهم اغتيالاً أو اعتقالاً، كما عرضتهم لشتى أنواع الضغط والقمع والقولبة. ومن يعلم، لعل أولئك المفكرين المقهورين كانوا هم أحباء رسول الله المقصودين في فرقته الناجية!

 

 

إن مناقشة أبسط أمور السياسة وفقاً لسلوك الرسول الكريم وأصحابه من الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم، تجعلنا ندرك أن معظم المثقفين (البعيدين عن السلطان) كانوا أقرب لنهج النبي المصطفى، فرفضوا، على سبيل المثال، توريث الحكم، بينما اجتهد علماء الدين ومثقفو السلطة بتبرير الممارسات السياسية البعيدة عن أي نهج إصلاحي.

 

 

سمير ومحمد

شهدت دمشق، مدينة التنوع الثقافي والديني، عام 1889م قصة حقيقية هي أقرب إلى الأسطورة، تشارك بطولتها محمد، الفتى الأعمى المسلم، وسمير، القزم المشلول المسيحي، اللذان عاشا معاً، فكان المسلم بمثابة القدمين لكليهما والمسيحي بمنزلة العينين لهما، واستطاعا التغلب على الصعوبات التي واجهت كلاً منهما بتعاونهما الوثيق.

 

 

إن جميع الديانات التوحيدية الإسلامية والمسيحية واليهودية، ذات مصدر واحد ووجهة واحدة، وقد عاش أهل هذه الشرائع جنباً إلى جنب، ولولا السياسة والأطماع الاستعمارية والبحث عن أمجاد الحكام الفردية وزبانيتهم من رجال الدين السياسي، الذين حاولوا ليَّ أعناق الشرائع كي تتناسب ومقاسات أصحاب الكراسي، لما وصلنا إلى هذه الحال من التفرقة والإنقسام، على المستوى الإنساني والديني.

 

فليكن لنا من محمد وسمير عبرة وأسوة حسنة، والله من وراء القصد، فاعتبروا يا أولي الألباب.

 

نقلا عن النهار العربي