لأجل الملف المالي أم المأزق الليبي.. الكشف عن أسباب زيارة أردوغان لقطر

أفاد سياسيون، بأن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى قطر تعكس حالة من ضرورة التنسيق المشترك مع الدوحة في الملف المالي والمأزق الليبي.



 

وثمة ملفات سياسية وإقليمية محددة تجمع بين أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان؛ حيث قام الأخير بزيارة الدوحة، أول من أمس الخميس، ما يعد أول تحرك خارجي للرئيس التركي منذ أزمة فيروس كورونا المستجد.

 

 

يرى مراقبون أنّ اللقاء الثنائي بين أردوغان وتميم يأتي انعكاساً لعدة ضغوط محلية وإقليمية وعالمية

 

 ويبدو أنّ الإطار المنطقي الذي يجري في سياقه اللقاء بين الطرفين، هو تحري معالجة بعض القضايا الإقليمية المأزومة، خاصة، الأزمة في ليبيا، والتي تتصاعد داخلها معارضة عربية وأوروبية ضد تدخلاتهما العسكرية، فضلاً عن تدني وتراجع الأوضاع الاقتصادية في أنقرة، الأمر الذي يضطرهما إلى مناقشة فرص التخلص من العزلة الإقليمية ضد أدوارهما المتباينة.    

 

لماذا أردوغان في قطر؟

 

وعلى ضوء التطورات الإقليمية المتسارعة التي تقودها تركيا، بين ليبيا وسوريا والعراق، أعلنت وسائل الإعلام التركية عن زيارة الرئيس التركي للدوحة، والتي استغرقت يوماً واحداً، حيث "سيتبادل مع أمير قطر وجهات النظر بشكل موسع حول القضايا الإقليمية والدولية"، حسبما أفاد بيان الرئاسة التركية، كما أنّ أردوغان سبق وأجرى اتصالاً في حزيران (يونيو) الماضي، مع أمير قطر بهدف بحث "سبل تطوير العلاقات الإستراتيجية بين البلدين"،  بحسب وكالة الأناضول التركية للأنباء.

 

تعليقاً على زيارة أردوغان للدوحة، يرى مدير المركز العربي للبحوث والدراسات الدكتور هاني سليمان، بأنّها تعكس حالة من ضرورة التنسيق المشترك مع الدوحة في الملف المالي والمأزق الليبي.

 

ويرى مراقبون أنّ اللقاء الثنائي بين أردوغان وتميم يأتي انعكاساً لعدة ضغوط، محلية وإقليمية وعالمية، وذلك على خلفية الدعم المتواصل من جانب أنقرة، على وجه الخصوص، للجماعات المسلحة في ليبيا، وكذا، بعض التنظيمات المصنفة على قوائم الإرهاب؛ إذ قام البرلمان العربي بالإعلان عن إقراره لإستراتيجية جديدة، بهدف مواجهة أطماع تركيا في المنطقة، كما تقود فرنسا حملة ضغط قوية، لجهة فرض عقوبات أوروبية ضد أنقرة، وتتبنى كافة الوسائل لمنع توغلها، وتصعيدها العسكري والميداني في ليبيا.

 

 

 

ومن ناحية أخرى، تتعالى حدة النقد في الأوساط الرسمية العالمية، وكذا، الصحافة الغربية، ضد الدوحة وأنقرة؛ إذ أعلن وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، في نفس يوم الإعلان عن الزيارة الخارجية لأردوغان للدوحة، بأنّ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي سيجتمعون، في 13 تموز (يوليو) الجاري، لبحث الدور التركي في ليبيا، وبحث إمكانية فرض عقوبات جديدة عليها، موضحاً في جلسة أمام البرلمان الفرنسي أنه "بناء على طلبنا سيعقد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد لبحث مسألة تركيا على وجه التحديد، وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على أنقرة، لقيامها بالتنقيب في المنطقة الاقتصادية لقبرص، وربما، يجري النظر في فرض عقوبات أخرى".

 

ردع أنقرة

 

ومن جانبها، اتهمت صحيفة "ذا ناشونال" في تقرير لها بوجود تحالف قطري تركي، يستهدف تقديم الدعم والتمويل إلى القوى المتطرفة، خاصة، في الغرب، كما نقلت عن البرلمان الهولندي تحذيراته من ضخ هذا التحالف لتمويلات هائلة لصالح الجماعات الإسلامية المتشددة، والقريبة أيديولوجيا من جماعة الإخوان، بينما حذرت صحيفة "إكسبريس" البريطانية من تبعات تمويل البلدين للمنظمات الدينية في أوروبا، بواسطة المؤسسات الخيرية والتنموية العاملة في الشرق الأوسط.

 

 

وتعد الإستراتيجية العربية التي تم الإعلان عنها، قبل أسبوع، جزءاً من توحيد الصفوف العربية لمواجهة الأدوار الإقليمية التي تمارسها إيران وتركيا؛ إذ دعت إلى إيقاف التبادل التجاري مع أنقرة، ومن ثم، تفعيل مجلس دفاع عربي لردع دورها بالإقليم، والطلب من الأمم المتحدة سحب القوات التركية المنتشرة في أكثر من بلد عربي.

 

وقد تم طرح الإستراتيجية العربية الجديدة التي تزامنت مع العدوان التركي على شمال العراق، على إثر توغل تركيا المستمر عسكرياً في ليبيا، وكذا، تأزيم الوضع السياسي فيها لعدم الوصول لأية حلول سلمية، ناهيك عن الدعم المتواصل للميلشيات التابعة لحكومة فائز السراج، واستئناف عمليات نقل المرتزقة السوريين لليبيا، الأمر الذي يترافق ونشاطها المحموم للتنقيب عن النفط، ورغبتها في السيطرة على ثروات الغاز في شرق المتوسط.

 

 

المال السياسي

 

ولئن لم تنقطع الرحلات الجوية بين أنقرة والدوحة خلال فترة انتشار الفيروس التاجي، في ظل تقديم الدعم الطبي والصحي، فإنّ الاتصالات بين الرئيسين ظلت قائمة، بنفس الدرجة، ما يعكس ارتباط مصالحهما الإقليمية، من ناحية، وحساسية الوضع السياسي والميداني المحتدم، من ناحية أخرى؛ إذ قام بينهما اتصال في أعقاب خطاب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الذي هدد خلاله بالتدخل العسكري المصري في ليبيا، في حال تخطت تركيا "الخطوط الحمراء"، ممثلة في منطقتي سرت والجفرة، وذلك لحفظ الأمن والاستقرار العربي.

 

 

وإلى ذلك، فإنّ الملف الاقتصادي التركي سيحتل، بلا ريب، دائرة الاهتمام القصوى في اللقاء التركي القطري، وسيكون في قمة أولويات أردوغان، بينما سيظل يشق جيوب الملفات المطروحة بينهما؛ حيث تعاني أنقرة من أزمة هيكلية في اقتصادها، تشمل عجز الموازنة وارتفاع نفقات الإنتاج، بالإضافة إلى تراجع سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، في ظل شح وجود العملة الأجنبية بالأسواق المحلية، وزيادة معدلات التضخم، الأمر الذي يضطر الرئيس التركي للبحث عن دعم مالي.

 

 

 

وفي أيار (مايو) الماضي، أعلن البنك المركزي في أنقرة، أنه تلقى ما قيمته 10 مليارات دولار، ضمن اتفاق تبادل عملة مع قطر، وهو الاتفاق الذي يعود تاريخه إلى العام 2018، وكان ينص على مبلغ خمس مليارات دولار فقط، لكنّ أردوغان ضغط على أمير قطر، في ظل أزمة الليرة الأخيرة لمضاعفة قيمة الاتفاق، بهدف إنقاذ الاقتصاد التركي، وهو الأمر الذي يتوقع اقتصاديون بارزون عدم جدواه؛ حيث أوضح جيسون توفي، الخبير الاقتصادي في "كابيتال إيكونوميكس" بأنّ "العشرة مليارات دولار الإضافية تعد قطرة في محيط، وذلك بالمقارنة باحتياجات تركيا من التمويل الخارجي"، لافتاً إلى أنّ "المليارات القطرية لا تكفي، خاصة في ظل الأزمات الفادحة التي لحقت بقطاعات حيوية كالسياحة والتجارة، مما فاقم عجز المعاملات الجارية في تركيا".

 

استياء عربي وضغط غربي

 

وتعليقاً على زيارة أردوغان للدوحة في هذا التوقيت، يرى مدير المركز العربي للبحوث والدراسات الدكتور هاني سليمان، بأنّ الزيارة "تعكس حالة من ضرورة التنسيق المشترك والملح مع الدوحة كحليف إستراتيجي، خاصة، فيما يتصل بعمليات الدعم والتمويل، بالإضافة إلى وجود عدد من المخاوف والترتيبات العاجلة بخاصة في ليبيا".

 

 

وتحمل الزيارة كما أبلغ سليمان  "نوايا خفية، تتمثل في تعميق التمركز التركي في ليبيا، خلال الفترة القادمة، ومن ثم، ترتيب ذلك بالتنسيق مع الشريك الإقليمي والإستراتيجي، كما لا تخلو الزيارة من طلب حيوي آخر، حيث الحصول على تمويل من قطر لإنقاذ الاقتصاد التركي، من ناحية، ودعم أنشطة الجمعيات الخيرية التابعة لأنقرة، والمتواجدة في أوروبا، من ناحية أخرى".

 

بيد أنّ قطر تستخدم تركيا كما إيران باعتبارها ورقة ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، برأي سليمان، وهو ما اتضح من خلال تصعيد رئيس الوزراء، وزير الخارجية القطري السابق، حمد بن جاسم، عبر تغريداته في موقع التواصل الاحتماعي "تويتر"، وذلك باعتبار أنّ أمريكا هي الخاسر الأكبر في حال فكرت في سحب قاعدتها العسكرية من منطقة العديد بقطر، وأنّ ذلك لن يشكل فرقاً، حيث إنّ بديل أمريكا موجود في تركيا، مما يحمل رسائل تستبطن الندية والتحدي لواشنطن.

وفي كل الأحوال، يؤكد مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، بأنّ الزيارة ستزيد من حجم السخط والاستياء العربي والغربي، على حد سواء، جراء الممارسات التركية في المنطقة، والتي تزيد من فرص الصدام والمواجهة والتأزم، في ظل إصرار أنقرة، وبدعم الدوحة، على هندسة وجودها السياسي والعسكري، في الإقليم، بصورة سلبية وممارسات عدوانية، على النحو الذي يظهر في المشهد الليبي