تعليم القانون أولويات جديدة في سوق العمل

تعليم القانون أولويات جديدة في سوق العمل

منذ قرن من الزمان أو أكثر لم يشهد تعليم القانون في كلياته بدراستيه الأولية والعليا وكذلك المعاهد الدولية والإقليمية المتخصصة في الدراسات العليا أي تطوير يساير وضع المجتمع وتطوره وظرفه المتقلب، حيث بقيت الدراسات القانونية في قالب من الجمود المنعزل عن الواقع العملي الذي يعد الأساس والانطلاق الرئيسي لمهنة المحاماة، فيبدأ طالب القانون في المرحلة الأولى من مشواره الدراسي بمواجهة أعداد كبيرة من الكتب وغالبها بجزأين للمادة الواحدة يقع عليه واجب الحفظ والفهم وحسب طبيعة المادة من المواد المتعددة والمختلفة ذات الجمود في اللغة والأسلوب الجاف، صعب الفهم والإدراك لطالب بمرحلة عمرية لا تتجاوز التاسعة عشر من العمر ولم يسبق أن سمع عن الجريمة وأنواع المجرمين وعن نظرية القانون والحق وعن القانون الدستوري وديباجته وعن الحقوق والحريات وسلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية في مرحلة الدراسة الإعدادية إذا ما قارنا ذلك ببعض الاختصاصات التي يكون لها مشترك دراسي سابق مثل الاحياء والكيمياء  والرياضيات والفيزياء والقوانين الرياضية الأولية للمجموعة الطبية والهندسية والاقتصاد والاجتماع والفلسفة واللغة الانكليزية للكليات الإنسانية والاجتماعية من غير القانون، وباستثناء طالب القانون الذي تنقطع عنه بغير نفع مرحلته الدراسية السابقة ويجد نفسه غريبا بين كتب القانون ونظرياته الصماء التي لا تغطيها السنة الدراسية الواحدة إذا ما تم تناولها بشكل صحيح ولا وقت المحاضرة الواحدة لشرح موضوع واحد من مواضيع القانون المعقدة والتي لا يستطيع الطالب الاحتفاظ بها  في عقله لعشر دقائق من الوقت بسبب التراكم بين المواد والتداخل والتشعب ثم تسير العملية التعليمية بهذا الشكل وصولا إلى المرحلة الأخيرة ويكون الفيصل في تخرج الطالب هو الامتحان الشكلي وبأسئلة شرحية تقوم على الكتابة والسرد أو الأسئلة الاختيارية التي تقوم على اختيار الطالب للإجابة الأكثر دقة من عدة اختيارات موضوعه له وتمثل ما تحمله إجابة الطالب في الوقت الحاضر نجاحه ويترجم ذلك النجاح على انه استيعاب لمواد القانون وتمكنه منها، إلا أن المفاجأة تحدث بعد التخرج والتعيين وحيث لطالب القانون ثلاث مجالات يمكن له العمل فيها الأولى: المحاماة والتدرج وصولا إلى القضاء            والثاني : العمل في دوائر القانون وأقسامها في وزارات الدولة ومؤسساتها                          إما ثالثها: الاستمرار في المجال الأكاديمي وإكمال الدراسات العليا والمضي بوظيفة التدريس، وحيث أن طالب القانون يواجه  وقت التخرج نفس الصعوبة الأولى لحظة الدخول إلى الكلية، والسبب في ذلك القصور في أساليب التدريس والمناهج المعطاة للطلبة بسبب بعدها عن الواقع العملي  وما يتطلبه سوق العمل، صحيح أن مهنة القانون تحتاج إلى التدريب والمران والممارسة ولكن ذلك يكون بناء على شيء له أصل وأساس يضيف لهُ حامله من التجارب السابقة والتدريب اللاحق ليستجمع ما فاته أو ليكتسب الجديد من العمل. فلو وقفنا عند المجال الأول واختيار مهنة المحاماة، نلاحظ الشكاوي المستمرة والتعليقات الدائمة التي يتقدم بها القضاة من المحامين الجدد حديثي التجربة في أمور كثيرة داخل المهنة وخارجها ومن طلباتهم وكلامهم ومكان وقوفهم وكيفية حماية موكليهم وطريقة إبداء الاستشارة ومرجع ذلك كله هو غياب التجربة العملية لهذه الممارسة أثناء الدراسة في الكلية ولا غرابة إذا ما قلنا أن مادة المحكمة الافتراضية دخلت حديثا إلى ميدان التعليم القانوني ومخصص لها وقت لا يتجاوز الساعة من الزمن! فكيف ذلك وغالبية المتخرجين هم يعملون في ذلك المجال المهم والحساس فينبغي تكثيف العمل التطبيقي والميداني لترسيخ نشأة العمل في المحاماة أثناء الدراسة النظرية والأمر الآخر الاهتمام بمواد فرع القانون الخاص وقانون العقوبات وأصوله وجعل القسم الأكبر منها تدرس عن طريق النمط الإجرائي العملي بأن تكون طريقة جدول الدراسة عن طريق الدعاوي التي تقام داخل هذا الفرع من القانون والقانون الآخر المذكور  و القيام بتحرير الدعاوي بصورة تحريرية  وتقديم الطلبات والطلبات المقابلة وإجراء مرافعات شفوية والتعليق على القرارات القضائية وتقديم الطعن على الإحكام وكيفية كتابتها والمدد القانونية التي يمكن الطعن بالأحكام المقررة فيها، فالشروع بتطبيق هذا البرنامج سيخلق بلا شك محامين عظماء لأنهم لن يبدؤوا من جديد بعد التخرج ويقفوا مذهولين ومدهشين من روعة المحكمة والقاضي؛ بل يكملون العمل بالتواصل من خلال المهارات المكتسبة من المحامين السابقين لهم، ولعل ذلك ما يبين لنا سر نجاح المعهد القضائي المتواصل في تخريج قضاة مبدعين الذي يكمن في تحديده لاحتياجاته ويعكس ذلك أثناء تحديده للمواد المطلوب التنافس عليها حيث يكون الأولوية للنجاح لمن آتى العمل الميداني بصورة صحيحة من أولها إلى آخرها وهنا أيضا ينبغي على كليات القانون مراجعة ذلك والاقتداء بمنهجية عملية صحيحة لمواد القانون ذات التماس بمنازعات الأشخاص العاديين فيما بينهم. ثم إذا انتقلنا إلى المجال الثاني وهو العمل في دوائر الدولة ليكون الأمر الأكثر إحباطا من الأول بسبب بعد مواد التدريس نهائيا عن المطلوب داخل تلك الدوائر والمؤسسات، حيث يقضي طالب القانون مدة أربع سنوات لقراءة مناهج قديمة جدا مضى عليها أكثر من ثلاثة عقود يستنزف فكره وجهده بالإضافة إلى  جهد أعضاء هيأة التدريس دون جدوى لذلك في سوق العمل حيث يقع عبئ التأهيل والتدريب وإعادة ضخ المعلومات القانونية على عاتق الدائرة القانونية أو المؤسسة المعين فيها على وفق احتياج العمل لديهم بسبب البعد القانوني بين الواقع النظري الأكاديمي والعملي المطلوب داخل سوق العمل فينبغي تضمين المنهج الدراسي مثلا : قانون بيع وإيجار أموال الدولة وقانون الاستثمار وقانون الإيفاد والسفر وقانون الاستملاك وتعليمات تنفيذ العقود الحكومية والضوابط الملحقة بها والشروط العامة لأعمال مقاولات الهندسة المدنية والكهربائية والميكانيكية والوثائق القياسية فضلا عن إلزام الكليات باستحداث محكمة مفترضة  خاصة للعقود الإدارية وقانون انضباط موظفي الدولة وكيفية تشكيل وعمل اللجان التحقيقية وقانون التعويض عن الأضرار بأموال الدولة بسبب حوادث المركبات وقانون الإدارة المالية وقانون ديوان الرقابة المالية الاتحادي وغيرها من القوانين الرئيسية التي يحتاج إليها القانوني في ميدان سوق العمل، ولعل ذلك هو ما يتم السؤال عنه في مقابلات التعيين للخريجين الراغبين بالتعيين دوائر الدولة ومن خلال التجربة لاحظنا عدم الإجابة عن أي سؤال تقدمت به لجان التعيين  حول القوانين أنفة الذكر ولا علم لهم بها وهذا هو من أخطاء تعليم القانون الذي ينبغي تداركه وإصلاحه لرفد مؤسسات الدولة بالنافع والمفيد منها وتغيير آلية المناهج لغرض مواكبة ومعرفة الطالب لما يجري ويدور حوله ليتقن ما هو المطلوب منه وليس العكس. ثم نكمل المجال الثالث وهو المجال الأخطر المسئول عن تكوين المجالين انفي الذكر  وهنا بحاجة إلى وقفة وإعادة النظر بتكوين فكر طالب الدراسات العليا لغرض تنشئة هذا الجيل القانوني؛ فالملاحظ لوضع سياسة التعليم في الدراسات العليا في العراق بالرغم من الحرص الشديد والتعقيد في أجراءتها  إلا أن التعامل المنهجي لا ينسجم وتكوين أفق واسع قائم على النقد والتحليل لخلق  وإنشاء أستاذ محيط إحاطة جيدة في المجال الأكاديمي فما تزال طلبة الدراسات العليا تراجع بتعمق المفردات الواردة بالمناهج الأولية أو التعمق بالقوانين المقارنة بنفس المنهاج النظري وكان الأفضل التعمق بالقوانين العراقية ولكن بطابع عملي يصل النظرية العامة بالتطبيق العملي ويجب الانتباه هنا إلى ضرورة وجود ممارسة عملية لطلبة الدراسات العليا بإشراكهم بمحاضرات للصفوف الأولية لغرض تأهيلهم وتدريبهم وقتل الإرباك لديهم لتهيئتهم بعد ذلك لاختبار تأهيل صلاحيتهم للتدريس وهذا لن نجده في العراق بالرغم من وجوده في بعض الدول العربية لما له من أهمية كبيرة تعود على الطالب في إعداده إعدادا جيدا. وقصور أخر يلاحظ على فقر مادة البحث العلمي التي يكون لها الجزء البسيط من الوقت المقسم للمواد وحيث لها من الأهمية ما تفوق معظم المواد كونها هي الأساس الذي تستقيم عليه الدراسات العليا؛ فالمعلومة تتجدد وتتطور وتثبت في عقل الإنسان من خلال البحث العلمي وليس قراءة كتاب والامتحان بمضمونه ومن بعده نسيان ما جاء به، ونجحت التجربة الهندية في اقتصار مرحلة الماجستير على عدد معين من الأبحاث في مواد مختلفة ومتصلة بنفس الوقت بالاختصاص ويناقش بها الطالب مناقشة عميقة قبل منحة الشهادة. ختاما ولغرض النهوض بتعليم القانون لما يرتقي به ويتطلبه سوق العمل وأيضا لفك الأزمة الخانقة في شهادات القانون على صعيدي الجامعات الحكومية والأهلية  ينبغي تغيير مناهج الدراسات الأولية وأسلوب الطرح  بالشكل الذي يتوافق مع متطلبات سوق العمل لغرض الأعداد الجيد لطالب القانون بغية خلق نوعية في مجال الاختصاص ولا ضير في ذلك أن كان في مصلحة البلد وكان السبق الأول في تعديل الأسلوب لكليات الطب لمواكبة التطور العملي والتخلص من مخاطر التجارب القديمة ونجحت نجاحا باهرا ثبتت من خلال مخرجاتهم إلى الميدان العملي.